بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني، خلاف سياسي أم صراع هوية؟

الحلقة الرابعة

محمود عباس
الولايات المتحدة الامريكية

إذا كان الصراع في غربي كوردستان يتجاوز الخلافات الظاهرية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو، ما طبيعة هذا الصراع في جوهره؟ هل نحن أمام اختلاف سياسي طبيعي بين رؤيتين إداريتين؟ أم أمام أزمة أعمق تتعلق بالشرعية والهوية وتعريف المشروع الكوردي ذاته؟
ظاهريًا، يبدو الخلاف سياسيًا، برامج، علاقات خارجية، شكل الإدارة، طبيعة النظام، العلاقة مع القوى الإقليمية، ومستقبل غربي كوردستان ضمن الدولة السورية. الطرفان يطالبان باللامركزية، ويتحدثان عن صيغة حكم مختلفة عن المركزية الصلبة التي عرفتها سوريا. لكن عند التدقيق، يتضح أن المسألة لا تقف عند حدود البرنامج.
الخلاف يتجاوز، ماذا نفعل؟ إلى من يمثل؟ ويتجاوز كيف نُدير؟ إلى من يملك شرعية تعريف المشروع؟
الإدارة الذاتية تنطلق من واقع ميداني وإداري قائم، وترى أن الشرعية تُستمد من الحضور الفعلي، ومن القدرة على الإدارة والدفاع وبناء مؤسسات أمر واقع. أما المجلس الوطني الكوردي، فينطلق من تمثيل حزبي وتاريخ سياسي أقدم، ويرى أن الشرعية تُستمد من الاعتراف السياسي والتمثيل التعددي، ومن ضرورة إدماج المشروع ضمن إطار قومي كوردي أوسع.
بهذا المعنى، لا يدور الصراع فقط حول السلطة، بل حول تعريف الكيان ذاته في غربي كوردستان.
غير أن البعد الأكثر عمقًا يتمثل في الخلاف الإيديولوجي.
قوى الإدارة الذاتية تنتمي إلى منظومة “المجتمع الديمقراطي”، المتأثرة بالفكر الأوجلاني، والتي تطرح مفهوم “الأمة الديمقراطية” بوصفه إطارًا بديلًا عن الدولة القومية التقليدية. في هذا التصور، لا تُبنى الشرعية على قومية مغلقة أو كيان قومي صريح، بل على إدارة مجتمعية تعددية تتجاوز الحدود القومية الكلاسيكية، وتؤكد على التشاركية العابرة للهويات الصلبة.
في المقابل، يستند المجلس الوطني الكوردي إلى تيار قومي كوردي تقليدي أقرب إلى المدرسة البرزانية، التي ترى في القومية إطارًا سياسيًا مشروعًا، وتعامل كوردستان بوصفها قضية قومية تاريخية واضحة المعالم. ضمن هذا المنظور، تُطرح الفيدرالية كصيغة اعتراف قومي داخل الدولة السورية، لا كترتيب إداري جغرافي محض.
حتى في مسألة اللامركزية، حيث يبدو الطرفان متفقين ظاهريًا، يختلف التعريف:
الإدارة الذاتية تميل إلى نموذج فيدرالية جغرافية متعددة المكونات، تُبنى على مفهوم الإدارة الذاتية المحلية ضمن إطار سوري عام.
أما المجلس الوطني فيميل إلى تصور فيدرالية تعترف صراحة بالبعد القومي الكوردي، وتُرسّخ الكيان السياسي ضمن جغرافية محددة بوصفها جزءًا من كوردستان.
هذا الفارق ليس تقنيًا، بل تصوري. إنه اختلاف في تعريف الدولة، والهوية، والشرعية. ويظهر هذا الخلاف حتى في الرموز.

الاختلاف حول العلم الكوردستاني، وحول موقعه في الفضاء العام، ليس مجرد نقاش شكلي حول قطعة قماش أو لونٍ معين. الرمز هنا يعكس تعريف المشروع، هل يُقدَّم المجال بوصفه جزءًا من قضية قومية كوردستانية أوسع؟ أم بوصفه تجربة إدارية–سياسية ضمن إطار تعددي لا يختزل نفسه في هوية قومية واحدة؟
حين يصل الخلاف إلى مستوى الرمز، فهذا يعني أن المسألة لم تعد خلافًا إداريًا، بل خلافًا في سردية الهوية.
وهنا تتعمق أزمة الشرعية المتبادلة. لا أحد يعترف بشرعية الآخر كاملة، ولا أحد قادر على نفي شرعية الآخر كليًا.
هذا التوازن الهش يولّد خوفًا مستمرًا من الإقصاء، الخوف من احتكار التمثيل، الخوف من إعادة تعريف المشروع دون شراكة، الخوف من أن يُختزل الحضور في صيغة لا تعبّر عن الذات كاملة.
وحين يصبح الاعتراف ذاته موضع نزاع، يتحول الصراع إلى صراع تعريف، لا مجرد اختلاف في الآليات.
في هذه المرحلة، لا يكفي تعديل برنامج أو توقيع اتفاق تقني. المشكلة أعمق، إنها أزمة تصور متبادل.
الاعتراف بالآخر لا يعني فقط الاعتراف بوجوده، بل الاعتراف بشرعية رؤيته، حتى وإن اختلفت. وهذا هو المستوى الأصعب في أي حوار.
البرامج يمكن تعديلها. التفاهمات يمكن إعادة صياغتها. لكن أزمة الهوية تحتاج إلى بناء ثقة تتجاوز الحسابات الآنية.
المفارقة أن الطرفين يتحركان داخل المجال الجغرافي نفسه، ويخاطبان المجتمع نفسه، ويواجهان التحديات الأمنية والسياسية ذاتها. ومع ذلك، يُدار الخلاف أحيانًا كما لو أن أحد المشروعين قادر على الحلول محل الآخر.
السؤال الحقيقي إذن ليس، من على حق؟ بل، هل يمكن إعادة تعريف الشرعية بطريقة لا تقوم على الإلغاء؟
ما لم تُفكَّك أزمة الشرعية، في بعدها الإيديولوجي والرمزي، سيبقى كل اتفاق هشًّا، وكل تقارب مؤقتًا، وكل تهدئة عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي. ويتجلى ذلك بوضوح في مآلات مؤتمر قامشلو الذي انعقد في نيسان من العام الماضي؛ إذ أفرز المؤتمر هيئة كان يُفترض أن تمثّل الشعب الكوردي وقضيته، وأن تضطلع بمهمة إدارة الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية. غير أن هذه الهيئة أُهملت عمليًا من الطرفين، وخاصة من قبل قوى الإدارة الذاتية لأنها بمثابة السلطة الأن، وتُركت خارج الفعل السياسي، وكأنها لم تُنتخب أصلًا، الأمر الذي يعكس عمق أزمة الاعتراف المتبادل، ويؤكد أن الإشكال لا يتعلق بآلية التمثيل فحسب، بل بقبول شرعية هذا التمثيل ذاته.
الخلاف السياسي قابل للإدارة. أما صراع الهوية والاعتراف، إن لم يُعالج بوعي، فإنه يُعيد إنتاج نفسه في كل جولة، ويحوّل التعدد إلى تنازع وجودي بدل أن يكون تعددًا داخل مشروع جامع.
وفي مرحلة لم تكتمل فيها شروط التحول السياسي بعد، قد يكون أخطر ما يمكن فعله هو إدارة اختلاف الرؤى وكأنه معركة حسم، بينما المجال ذاته لا يحتمل كسرًا جديدًا.

قد يعجبك ايضا