مصطفى طارق الدليمي
قبل يومٍ واحد من حلول شهر رمضان كنت أتجول في أسواق بيروت في منطقة الداون تاون تلك الأسواق التي عادت للحياة بعد سنوات طويلة من الإغلاق بفعل الأزمات والحروب التي مرّت على المدينة وبين المباني الشاهقة والمتاجر الحديثة توقفت أمام مشهدٍ غير مألوف خلف قضبان حديدية بقايا حجارة قديمة متناثرة كأنها شواهد صامتة لمدينةٍ دثرها الزمن
كانت آثاراً بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل تاريخاً يعود إلى آلاف السنين وبينما كنت أتأمل المكان اقترب مني شابان لبنانيان تبادلنا التحية
فسألني أحدهما: من أي بلد أنت؟
أجبته: من العراق
ابتسم وقال مرحباً: أهلاً وسهلاً بك
بدأ يحدثني عن هذا الموقع قائلاً إن هذه البقايا تعود إلى العهد الروماني فعندما بدأت أعمال إعادة إعمار أسواق بيروت قبل سنوات وأثناء حفر الأساسات لوضع أعمدة المباني الحديثة ظهرت هذه الحجارة القديمة عندها حضر علماء الآثار والمنقبون ليكتشفوا أن ما تحت الأرض ليس مجرد حجارة عادية انما بقايا مدينة قديمة ربما بيوت أو حمامات رومانية تعود إلى قرون بعيدة
كنت أستمع إليه لكن ذهني كان قد سافر بعيداً… إلى العراق.
تذكرت أننا في العراق لا نملك بقايا آثار مدفونة تحت الأرض فقط بل نملك حضارات كاملة تقف فوق التراب مدن وآثار ومعابد تمتد جذورها آلاف السنين في عمق التاريخ آثار تبهر العالم بعظمتها، لكنها في كثير من الأحيان تبقى مهملة بعيدة عن العناية التي تستحقها
واصل الشاب حديثه، ثم سألني عن آثار العراق وتاريخه حدثته بما أعرف فقال لي جملة بقيت عالقة في ذهني:
“أنتم العراقيون أصحاب التاريخ العميق…أنتم أصل الحضارات”
في تلك اللحظة أدركت المفارقة
هنا في بيروت يتم الحفاظ على بقايا حجارة من عصور قديمة بعناية داخل الأسواق الحديثة بينما في العراق تقف حضارات كاملة شاهقة وعظيمة لكنها لا تحظى دائماً بالاهتمام الذي يليق بتاريخها
غادرت المكان لكن تلك الوقفة القصيرة بين آثار بيروت جعلتني أستعيد سؤالاً كبيراً:
كيف يمكن لبلدٍ يمتلك أقدم حضارات الأرض أن يترك بعض كنوزه التاريخية في دائرة الإهمال بينما دول أخرى تحوّل حتى بقايا الحجارة إلى ذاكرة حيّة تروي تاريخها للأجيال؟