الهروب من نيران المحورين

مصطفى طارق الدليمي

في الشرق الأوسط قد تتحول الجغرافيا أحياناً إلى قدر سياسي لا يمكن الهروب منه فحين تتصاعد الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية لا تبقى المعركة محصورة بين أطرافها المباشرين وإنما تمتد تأثيراتها إلى دول تجد نفسها واقفة على حافة التوتر رغم أنها لم تكن جزءاً من قرار الحرب وفي مثل هذه اللحظات الحساسة تكتشف الدول الصغيرة أن موقعها على الخريطة قد يضعها فجأة في قلب معادلات الصراع
في خضم التصعيد المتكرر بين القوى الكبرى في المنطقة تحاول دول الخليج والعراق أن تسلك طريقاً دقيقاً يشبه السير على حبل مشدود فمن جهة تدرك هذه الدول أن الانخراط المباشر في أي صراع إقليمي قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها ومن جهة أخرى تعلم أن موقعها الجغرافي وثرواتها الاقتصادية يجعلها جزءاً من حسابات القوى المتنافسة حتى وهي تحاول الحفاظ على مسافة آمنة من المواجهة
الخليج العربي بما يمتلكه من ثقل اقتصادي وموقع استراتيجي مهم للطاقة العالمية يدرك جيداً أن أي حرب واسعة في المنطقة لن تبقى بعيدة عن حدوده لذلك تبنّت العديد من دوله سياسة تقوم على التهدئة الدبلوماسية وتخفيف التوترات الإقليمية مع محاولة بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف فالاستقرار بالنسبة لهذه الدول ليس مجرد خيار سياسي وإنما شرط أساسي لاستمرار التنمية وحماية المصالح الاقتصادية التي تعتمد عليها المنطقة والعالم
أما العراق فيجد نفسه في وضع أكثر تعقيداً فموقعه الجغرافي بين مراكز النفوذ الإقليمي يجعله قريباً دائماً من خطوط التوتر وخلال السنوات الماضية حاول العراق إعادة تعريف دوره في المنطقة عبر سياسة تقوم على التوازن والانفتاح مستضيفاً حوارات إقليمية ومؤكداً أن استقرار المنطقة يبدأ من تخفيف حدة الاستقطاب بين القوى المتنافسة ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر أمامه هو منع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين
لقد أظهرت تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أن الدول الصغيرة غالباً ما تدفع الثمن الأكبر في الحروب الكبرى فقد يبدأ الصراع بعيداً عنها ثم تصل ارتداداته سريعاً إلى أمنها واقتصادها واستقرارها الداخلي ولهذا تسعى هذه الدول إلى بناء استراتيجيات تقوم على الحياد الإيجابي وتوسيع شبكة العلاقات الدولية وتعزيز قدراتها الدفاعية دون الانزلاق إلى محاور الصراع
ومع ذلك يبرز سؤال مهم: هل يكفي الحذر السياسي لتجنب نيران الحروب في منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة؟

الواقع يشير إلى أن تجنب الصراع ليس مهمة سهلة عندما تتداخل المصالح الدولية والإقليمية في مساحة جغرافية واحدة ومع ذلك تبقى الدبلوماسية النشطة وبناء التوازنات الإقليمية من أهم الأدوات التي يمكن أن تحمي هذه الدول من التحول إلى ساحات مواجهة
قد لا تستطيع الدول الصغيرة منع اندلاع الصراعات الكبرى لكنها تستطيع الحد من آثارها وحماية استقرارها بقدر ما تسمح به الظروف فالحكمة السياسية في زمن الأزمات لا تقاس بعدد المعارك التي تُخاض وإنما بقدرة الدول على إبقاء الحرب بعيدة عن مدنها وحدودها.

قد يعجبك ايضا