من فراش النبي إلى محراب الكوفة

هبة عبدالحافظ المطيري

يحتلّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) مكانةً فريدة في التاريخ الإسلامي؛ لا بوصفه خليفةً وقائداً عسكرياً فحسب، بل بوصفه أيضاً نموذجاً إنسانياً للشجاعة واليقين والثبات على المبدأ.
وعند التأمل في حادثة استشهاده في مسجد الكوفة سنة 40 للهجرة، يتبين أن تلك اللحظة لم تكن مجرد اغتيال سياسي وقع في زمنٍ مضطرب من تاريخ الدولة الإسلامية، بل كانت ـ في معناها الأعمق ـ خاتمةً طبيعية لمسيرةٍ طويلة من الإيمان والجرأة في مواجهة المصير.
لقد بدا عليّ، في سنواته الأخيرة، وكأنه يسير نحو قدره بوعيٍ وطمأنينة؛ كأن حياته كلها كانت تمهيداً لتلك اللحظة التي يُمتحن فيها صدق يقينه وصلابة موقفه. وتذكر كتب التاريخ أن الإمام كان يشعر بدنوّ أجله، وكان يلمّح إلى ذلك في خطبه وكلماته.
فقد نقل المؤرخون أخباراً تشير إلى أنه كان يحدّث أصحابه أحياناً عن قرب رحيله، وكأنه يهيئهم لغيابه القادم. وتظهر هذه الإشارات في مصادر تاريخية مثل الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للطبري.
ومع ذلك، فإن هذا الشعور بقرب النهاية لم يغيّر شيئاً من سلوكه أو قراراته. فقد ظلّ قائداً ثابتاً يمارس مسؤولياته بروحٍ مطمئنة، وكأن الموت بالنسبة إليه لم يكن سوى انتقالٍ إلى وعدٍ آمن به منذ زمن بعيد.
وتتجلى شجاعة عليّ في هذه اللحظات بوضوح عندما نتذكر أن الرجل الذي واجه الموت في محراب الكوفة هو نفسه الفتى الذي نام مطمئناً في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة. ففي تلك الليلة، حين أحاط المشركون ببيت النبي محمد ﷺ عازمين على قتله، قبل عليّ أن يبيت مكانه دون تردد، معرضاً نفسه للخطر الكامل.
وقد ربط بعض المفسرين هذه الآية بحادثة مبيت علي في فراش النبي، في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
ومنذ تلك اللحظة المبكرة في حياته بدا واضحاً أن علياً لم يكن يخشى الموت إذا كان في سبيل الحق، بل كان يراه جزءاً من طريق الرسالة.
وحين نصل إلى ليلة التاسع عشر من رمضان في الكوفة، تبدو هذه الروح نفسها حاضرة في مشهد الاستشهاد. فقد خرج عليّ إلى المسجد لصلاة الفجر كعادته، غير متحصّن ولا متخفٍّ، رغم ما كان يحيط به من توترات سياسية. وهناك باغته الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي بضربة سيفٍ مسموم. وفي تلك اللحظة نُقل عنه قوله الشهير: «فزتُ وربِّ الكعبة»؛ وهي عبارة تكثّف رؤيةً كاملة للحياة والموت، وتعكس يقيناً عميقاً بأن الموت في سبيل المبدأ ليس خسارة، بل فوزٌ معنوي وروحي.
وقد اختلفت طريقة عرض هذه الحادثة في كتب التاريخ. فالطبري ركّز في روايته على تسلسل الوقائع وتتبع حركة الجناة وردود فعل الناس في الكوفة بعد الضربة. أما ابن الأثير فقد قدّم وصفاً يحمل طابعاً وجدانياً أعمق، إذ أشار إلى الصدمة التي أصابت الناس حين أدركوا أن الرجل الذي مثّل لديهم رمز العدالة والشجاعة قد سقط في محراب الصلاة. وبين هاتين الروايتين تتكوّن صورة أوسع للحظة التاريخية؛ لحظة امتزج فيها الاضطراب السياسي بالحزن العميق.
غير أن القيمة الأبرز في تلك اللحظة لا تكمن في تفاصيل الاغتيال بقدر ما تكمن في الطريقة التي واجه بها عليّ قدره. فقد ظلّ ثابتاً على منهجه حتى اللحظة الأخيرة، لم يتراجع عن مبادئه ولم يتعامل مع خصومه بمنطق الانتقام الشخصي، بل ظلّ يدعو إلى الحق بالحجة والكلمة. وهكذا تحوّل استشهاده من حادثة سياسية عابرة إلى رمزٍ أخلاقي خالد، يذكّر الأجيال بأن قوة القائد لا تُقاس بقدرته على البقاء في السلطة، بل بقدرته على الثبات على المبدأ حين يقترب الأجل.
إن حياة عليّ بن أبي طالب، منذ ليلة المبيت في فراش النبي ﷺ إلى لحظة استشهاده في محراب الكوفة، تكشف عن خيطٍ واحدٍ ممتد: شجاعةٌ تنبع من يقينٍ عميق. فقد كان يرى أن الحياة الحقيقية هي حياة المبدأ، وأن الجسد ليس إلا وسيلة لخدمة الحق. ولهذا لم يكن الموت بالنسبة إليه نهايةً مأساوية، بل خاتمةً طبيعية لمسيرةٍ عاشها بشجاعةٍ وصدق، وترك بها أثراً باقياً في الوعي الإسلامي والتاريخ الإنساني.

قد يعجبك ايضا