التوازن في مؤسسات الدولة بين الاستحقاق الدستوري ومتطلبات الكفاءة

د. حازم محمود حميد النعيمي

في الدول المتعددة القوميات والمذاهب، لا يكون بناء الدولة مجرد عملية إدارية أو تنظيمية، بل مشروعا سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا في آن واحد. فالدستور في مثل هذه الدول لا يقتصر على تنظيم السلطات العامة وتحديد صلاحياتها بل يضع إطارا يضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع في إدارة الشأن العام، منعاً لاحتكار السلطة من قبل فئة دون أخرى، وتحصيناً للوحدة الوطنية. ومن هنا تبرز أهمية التوازن القومي والطائفي داخل مؤسسات الدولة بوصفه أداة لضمان العدالة التمثيلية وترسيخ الشعور بالشراكة الوطنية، لا بديلاً عن الكفاءة أو منافساً لها.

إن فكرة التوازن لا تعني المحاصصة بمعناها السلبي الذي يقوم على توزيع المناصب بمعزل عن الجدارة وانما تعني ترجمة مبدأ المساواة الدستورية إلى واقع مؤسسي ملموس. فحين ينص الدستور على أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز، فإن هذا المبدأ يقتضي أن تكون مؤسسات الدولة عاكسة لتنوع المجتمع، لا محتكرة من قبل مكون واحد. فالإقصاء يولد شعوراً بالغبن، والغبن يتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة قد تهدد استقرار الدولة وتماسكها.

وفي المقابل، فإن التوازن الحقيقي لا يتعارض مع الكفاءة، بل يجب أن يسير معها جنبا إلى جنب. فالدولة الحديثة تقوم على الإدارة المهنية والقدرة على اتخاذ القرار الرشيد، ولا يمكن لأي مؤسسة أن تنجح إذا أُهملت معايير الخبرة والتخصص. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدول المتعددة المكونات لا يكمن في تحقيق التوازن بحد ذاته، بل في تحقيقه بطريقة تحافظ في الوقت نفسه على معايير الجدارة والنزاهة والكفاءة.

وتقدم التجارب الدولية نماذج مهمة في هذا المجال. ففي كندا، التي تعد واحدة من أكثر الدول تنوعا ثقافيا ولغويا، اعتمدت الحكومات سياسات واضحة لتعزيز تمثيل مختلف المكونات الاجتماعية في الوظائف العامة. وقد صدر قانون خاص يعرف بقانون الإنصاف في التوظيف يهدف إلى ضمان مشاركة الفئات التي عانت تاريخياً من التهميش، مثل السكان الأصليين والأقليات العرقية، في مؤسسات الدولة. ولا تكتفي كندا بوضع هذه السياسات على الورق، بل توجد مؤسسات رقابية تتابع تنفيذها داخل أجهزة الدولة. فهناك هيئات حكومية مختصة تراجع بشكل دوري نسب التوظيف في المؤسسات الفيدرالية للتأكد من عدم وجود تمييز أو اختلال في التمثيل، وضمان أن تكون فرص الوصول إلى الوظيفة العامة متاحة لجميع المكونات على أساس الكفاءة.

وتظهر تجارب أخرى الفكرة ذاتها. ففي بلجيكا، التي تضم مجتمعين لغويين رئيسيين، اعتمد النظام السياسي آليات دستورية وإدارية تضمن التوازن بين الفلمنك والوالون في المؤسسات الحكومية. وتوجد لجان وإجراءات رقابية تتابع توزيع المناصب داخل الإدارات الفيدرالية لضمان عدم احتكار السلطة من قبل مجموعة لغوية واحدة. أما في سويسرا، فيبرز نموذج آخر لإدارة التنوع فالنظام السياسي السويسري يقوم على تمثيل متوازن للمكونات اللغوية والثقافية المختلفة في المؤسسات الاتحادية، كما تخضع آليات التعيين والمتابعة لرقابة إدارية مستمرة لضمان بقاء هذا التوازن ضمن إطار الكفاءة والاحتراف المؤسسي.

غير أن واقعنا يكشف أحياناً عن اختلالات واضحة في تطبيق هذا المبدأ. فالملاحظة التي يرددها كثير من المتابعين هي أن بعض المؤسسات الحكومية تحولت عمليا إلى مؤسسات يغلب عليها انتماء طائفي أو قومي معين، في حين يغيب تمثيل مكونات أخرى بصورة ملحوظة. وفي بعض الحالات يلاحظ اختفاء شبه كامل لبعض المكونات القومية مثل الكورد أو التركمان او السنة من عدد من المؤسسات الاتحادية، خصوصاً في المناصب القيادية أو مواقع صنع القرار، وهو أمر يتعارض مع فلسفة الدولة المتعددة التي يفترض أن تعكس مؤسساتها تنوع المجتمع الذي تمثله.

إن استمرار مثل هذه الاختلالات لا يضر فقط بمبدأ العدالة في التمثيل بل يضعف أيضاً الشعور بالانتماء الوطني لدى بعض الفئات التي قد تشعر بأن مؤسسات الدولة لا تعكس وجودها الحقيقي داخل المجتمع. ولذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب خطاباً سياسياً فقط، بل سياسات إدارية واضحة تضمن مراجعة توزيع المناصب والوظائف العليا داخل مؤسسات الدولة بطريقة تحقق التوازن وتحافظ في الوقت نفسه على معيار الكفاءة.

إن وجود جهات رقابية مستقلة تتابع نسب التمثيل داخل المؤسسات الحكومية يمكن أن يشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، كما هو الحال في العديد من الدول المتقدمة. فالمراقبة الدورية لسياسات التوظيف والترقية تساعد على كشف الاختلالات مبكراً وتصحيحها قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية أو اجتماعية.

إن بناء دولة مستقرة في مجتمع متنوع يتطلب إدارة واعية للتعددية ضمن إطار دستوري ومؤسسي واضح. فالتوازن الطائفي أو العرقي ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الشراكة الوطنية وترسيخ الثقة بين المواطنين والدولة. وعندما يقترن هذا التوازن بالكفاءة والنزاهة، فإنه يتحول إلى أحد أهم عناصر قوة الدولة الحديثة، ويجعل من التنوع الاجتماعي مصدر ثراء واستقرار بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام.

قد يعجبك ايضا