د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
يصادف اليوم مرور الذكرى السادسة والخمسين على توقيع اتفاقية 11 آذار 1970 التاريخية بين الشعب الكوردي بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني والحكومة العراقية آنذاك، والتي مثلت خطوة حاسمة في مسار الحركة الوطنية الكوردية واعترافاً رسمياً بحقوق الشعب الكوردي داخل الدولة العراقية الحديثة. وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد سنوات طويلة من الكفاح المسلح المتواصل منذ ثورات بارزان وثورة أيلول عام 1961، لتصبح الوثيقة الأساس الذي بنت عليه الحركة الوطنية الكوردية جميع إنجازاتها اللاحقة.
تضمنت الاتفاقية مجموعة من البنود الشاملة التي هدفت إلى تحقيق العدالة والحقوق القومية للكورد، أبرزها جعل اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق الكوردية، مع تحديد التعليم باللغتين، وضمان مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة بما يتناسب مع نسبتهم وعدالة الكفاءة، وإعادة فتح المدارس والجامعات، وتعيين موظفين ومسؤولين من أبناء المنطقة في الوحدات الإدارية، وضمان حق الكورد في تنظيم منظمات طلابية وشبابية ونسائية وثقافية، وتعديل الدستور المؤقت لإقرار أن الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيسيتين، العربية والكوردية، لقد شكّلت هذه البنود إنجازاً تاريخياً مهماً، إذ كانت ثمرة مباشرة لصمود الشعب الكوردي وتضحياته.
غير أن تنفيذ الاتفاقية لم يسر وفق ما نصّت عليه البنود، إذ ظهرت مؤشرات المماطلة والتأخير من قبل الحكومة العراقية، خاصة فيما يتعلق بترسيم حدود الحكم الذاتي، وتفعيل الشراكة في مؤسسات الدولة، وإجراء الإحصاء السكاني. وقد أدرك الزعيم الملا مصطفى البارزاني منذ البداية أنّ هذه المماطلة تهدف إلى تفريغ الاتفاق من جوهره، فحرص على الموازنة بين الصبر الاستراتيجي والحزم، محافظاً على حقوق شعبه ومكتسباته، مؤكداً أن الاتفاقية عقد سياسي ملزم لا يمكن التهاون فيه.
ومع إخلال الحكومة العراقية بالالتزامات، تجددت المواجهات المسلحة، كما أثرت التحولات الإقليمية على القضية الكوردية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية الجزائر السيئة الصيت عام 1975 بين العراق وإيران، بهدف إضعاف قدرات البيشمركة وإجبار الثورة على التراجع. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة الكورد، فاندلعت ثورة كولان في أيار 1976 كامتداد طبيعي لنهج المقاومة الذي أرسته ثورة أيلول، مؤكدة أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالإرادة والصمود.
مع استمرار النضال السياسي للكورد، تجلى دور الرئيس مسعود البارزاني كقائد محنك قادر على تحويل الكفاح الطويل إلى مكتسبات دستورية ومؤسساتية ثابتة. فقد قاد الشعب الكوردي نحو تشكيل حكومة إقليم كوردستان ونيل الاعتراف الرسمي بها ككيان دستوري ضمن العراق الفدرالي، ليصبح الحكم الذاتي تجربة حقيقية تعكس إرادة شعب ناضل لعقود من أجل حقوقه المشروعة. كما كان له دور فاعل في تحرير العراق عام 2003 من النظام الدكتاتوري، وشارك في صياغة الدستور الدائم، وترسيخ مبادئ الشراكة الوطنية، وتعزيز التداول السلمي للسلطة وبناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية، مؤكداً أن استقرار العراق يقوم على العدالة والتوازن واحترام حقوق جميع مكوناته، وأن إرادة الكورد هي حجر الأساس في المشاركة الفاعلة لصياغة مستقبل العراق ومصيره.
وهكذا استمرت المسيرة النضالية الكوردية عبر الأجيال، لترسيخ المكتسبات الدستورية والسياسية للإقليم، وتعزيز مكانة إقليم كوردستان داخل العراق الفدرالي، وصولًا إلى استفتاء استقلال كوردستان 2017، الذي عبّر عن إرادة شعب حيّ في تقرير مصيره بعد عقود من النضال والتضحيات.
ختاماً، تتجاوز اتفاقية 11 آذار 1970 حدود الوثيقة السياسية لتغدو ملحمة وطنية خالدة، أضاءت درب النضال الكوردي ورسّخت الإيمان بأن إرادة الشعوب لا تُقهر، فمن رحم التضحيات وُلدت المكتسبات، وعلى وقع الصمود تشكّل الكيان الدستوري لإقليم كوردستان، وتعزّزت الشراكة الوطنية في عراقٍ فدرالي يسعى أبناؤه إلى الحرية والعدالة.
لقد أثبتت التجربة النضالية للكورد أن الشعوب الحيّة تصنع تاريخها بدماء أبنائها، وتشيّد مستقبلها بعزيمتها، وتفرض حضورها بإيمانها بحقوقها المشروعة. وهكذا ستبقى اتفاقية 11 آذار رمزاً للعزة القومية، ومنارةً للأجيال، تؤكد أن الحقوق لا تُستجدى بل تُنتزع، وأن الأوطان التي تُروى بالتضحيات لا تنحني أمام العواصف.