محمد علي محيي الدين
في قرية “عوفي” الوادعة على أطراف مدينة الحلة، وُلد عام 1942 رجل كُتب له أن يمضي عمره متأرجحًا بين الضوء والظل؛ بين وهج الخشبة المسرحية ونور المعرفة المتوقد في بطون الكتب. هناك، حيث النخيل والماء والتقاليد، بزغت إرهاصات موهبة الدكتور عبد الإله كمال الدين، الذي سيصبح لاحقًا منارة أكاديمية وثقافية في العراق والعالم العربي.

من مدرسة “الكص” الابتدائية، حيث بدأت حكاية الطباشير والسبورة، إلى المتوسطة المركزية، بدا الصبي الحليّ شغوفًا بالفنون والجمال، وشغفٌ لن يخيب حين التحق بمعهد الفنون الجميلة ببغداد، حيث فتحت روحه على آفاق التعبير المسرحي والفن البصري والدرامي. تخرج عام 1962، وسرعان ما تحول التدريس في مدارس الحلة إلى منبر لنشر الذوق الفني وتربية الحس الجمالي لدى الأجيال الشابة.
لكن اللحظة الفاصلة في حياته لم تكن في قاعة درس، بل على خشبة مسرح، حين تألق في منتصف الستينيات في عرض مسرحي برع فيه رفقة زميله علاء يونس، حتى استدعاه وزير التربية ووهبه أمنية، فاختار أن يسافر ليتعلم. ومن هناك، حط الرحال في تشيكوسلوفاكيا، حيث حصل على دبلوم عالي من كلية الدراما بجامعة “تشارلز” عام 1967.
عاد إلى العراق بعد أن نضجت تجربته وتعمّقت رؤيته، ليُدرّس في معهد الفنون الجميلة ببغداد، قبل أن يتابع رحلته العلمية إلى أوروبا الشرقية، وينال شهادة الدكتوراه في الدراما المسرحية من جامعة بوخارست عام 1979. ومع مرور السنوات، بلغ مرتبة الأستاذية عام 1995، ليصبح نموذجًا للأكاديمي الذي جمع بين غزارة العطاء وصرامة المنهج.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود؛ ففي عام 1997 غادر العراق مضطرًا، حاملاً معه مكتبته الثرية وهمومه الأكاديمية، ليعمل أستاذًا في كلية الإعلام والفنون بجامعة الفاتح في ليبيا حتى عام 2001. ثم عاد إلى بغداد قبل الغزو الأميركي، حيث استؤنفت مسيرته التعليمية، مدرّسًا الأدب المعاصر، والسيناريو، والدراما الإذاعية والتلفزيونية في كلية الإعلام – جامعة بغداد.
لم يكن عبد الإله كمال الدين مجرد مدرس يوزع العلامات، بل كان باذرًا للمعرفة في كل محفل، مشرفًا على عشرات الرسائل والأطاريح، تاركًا أثرًا لا يُمحى في طلابه، الذين ما زالوا يذكرونه بكلمات تنضح بالعرفان والاحترام. ومكتبته الشخصية، التي أهدى جزءًا منها لمتحف الحلة المعاصر، تجسّد ولاءه لمدينته الأم، وكأن روحه أرادت أن تبقى في ترابها حتى وهو يعيش في المغترب.
يرى النقاد أن عبد الإله كمال الدين هو “أحد العقول النادرة التي جمعت بين التكوين الفني الصارم والرؤية النقدية العميقة”، بينما يصفه آخرون بأنه “الدرامي الذي تفكر بلغته الفنون”، ويضيفون أن جهوده كانت أساسية في إدخال المناهج النقدية الغربية إلى مقاربة الأدب العربي، دون أن يفقد النص روحه وهويته. ويؤكد تلامذته أن عبد الإله لم يكن يدرّس النصوص كجثث جامدة، بل كنصوص حية تتنفس الثقافة والتاريخ، ما جعل مؤلفاته مثل تحولات النص الأدبي، والنقد الأدبي المعاصر، والرؤية الثقافية في الأدب علامات بارزة في مسار النقد الثقافي في العراق والعالم العربي، ومرجعًا أساسيًا للباحثين وطلاب الدراسات العليا.
عبد الإله كمال الدين ليس مجرد أستاذ جامعي أو باحث في الدراما والنقد الأدبي، بل هو سيرة فكرية وجمالية متكاملة، تمتد من ريف الحلة إلى مسارح بغداد، ثم شوارع براغ وبوخارست وطرابلس، عائدة لتستقر في وجدان الأجيال التي تتلمذت على يديه أو قرأت كتبه. في زمن تهاجر فيه العقول بصمت، يظل عبد الإله شاهدًا على جيل آمن بالكلمة، مخلص للفن، محب لوطنه رغم الغياب الطويل.
اليوم، وهو في مغتربه الأميركي، ما زالت أوراقه تعبق برائحة الحلة، وصوته، ولو من بعد، ما زال يلقي النصوص كما لو كان على خشبة الحياة، يقدم درسه الأخير بشغف لا يذوي، ويترك لكل قارئ وجامع معرفة فرصة ليقرأ الحياة بعين الفنان، وبقلب المثقف، وعقل الباحث عن الحقيقة.