حاوره: الدكتور محمد سعيد الطريحي رئيس أكاديمية الكوفة في هولندا
اجرى الدكتور محمد سعيد الطريحي رئيس اكاديمية الكوفة في هولندا،حوارا مفصلا مع الدكتور اسماعيل قمندار الباحث والاكاديمي الكوردي الفيلي المقيم في فرنسا، حول كتابه بشأن اللهجات الكوردية الجنوبية، ولاهمية مادار في المقابلة ارتأت “التآخي” نشرها بجزأين.
بدءًا لايسعنا الا ان نتقدم بجزيل الشكر وخالص العرفان للدكتور الطريحي على ارساله المقابلة لجريدة “التآخي” بشكل خاص، لاطلاع القراء الكرام عليها.
فيما يلي الجزء الثاني والأخير من المقابلة
س 14: على ضوء ما تفضلتم به، هل هناك لغة كردية تمثل الأصل ومكتوبة، تفرع منها لهجات يمكن اعتبارها بمثابة اللغة الأم على غرار العربية بقواعدها وأصولها، وتفرعها تدريجياً إلى لهجات عديدة مشرقية ومغاربية. وهل ان كل اللهجات الكردية قابلة للكتابة؟ فالمعروف إن اللهجاتتستخدم للمخاطبة والتواصل لكنها لا تكتب إلاّ تجاوزاً (في الشعر الشعبي مثلاً)؟
ج 14: كل لهجة قابلة للكتابة، لكن تطور اللهجات يختلف من مكان إلى آخر، فاللغة العربية توحدت وقُنِّنت قواعدياً وفرضت نفسها عبر القرآن الذي يمثل ضمير اللغة العربية وقلبها، فهو الأساس والمرجع لقواعد وعلوم اللغة. وكذلك المحور المركزي لنشوء الحضارة الإسلامية. ويمثل توحد اللغة العربية وتقنين قواعدها وانتشار كتابتها جانباً مضيئاً منها. ولم تتوقف هذه اللغة عن التطور وهي إحدى اللغات الحية إلى يومنا هذا، فاللغة الفرنسية الحديثة قُنِّنَت في القرن السادس عشر وتطورت انطلاقاً من لهجة باريس وأطرافها، وهكذا بالنسبة للغة الإيطالية التي نشأت اعتباراً من لهجة منطقة فلورنسا التي جسَّدها في بدايات القرن الرابع عشر الشاعر الكبير دانت عبر أثره الشهير (الكوميديا الإلهية).
أما بالنسبة للغة الكردية فهي لغة قائمة بذاتها لها قواعدها ولهجاتها وهي واحدة من عائلة اللغات الإيرانية الكبيرة. ويختلف مسار تطورها عن العربية، فلكل لغة تطور تاريخي خاص بها، فالعربية قبل الإسلام كانت أيضاً عبارة عن لهجات متنوعة وتوحدت بلغة القرآن وعبره حيث تشكلت لغة مرجعية لكل العرب، أما اللغة الكردية المقسمة إلى لهجات فلم تحظَ بالظرف السياسي لظهور لغة موحدة مرجعية على غرار العربية بالمقابل فقد برز في التاريخ أدباء وكتاب كورد كتبوا باللغة الكردية بهذه اللهجة الرئيسية أو تلك منذ العصور الوسطى أو منذ القرن الخامس عشر بحسب رؤية الكاتب وذلك باللهجة الكرمانجية أو باللهجة الكورانية. ثم استمر النتاج الأدبي ليشمل كذلك اللهجة السورانية، فيما ظلت الكورانية تستعمل كلغة شعرية عند أغلب الشعراء الكورد في إيران والقسم الشرقي من كردستان العراق حتى القرن التاسع عشر. هذا إلى جانب وجود كُتَّاب ومؤرخين وشعراء وعلماء كورد ساهموا بالحضارة الإسلامية وكتبوا باللغات العربية والفارسية والتركية مثل ابن خلكان صاحب وفيات الأعيان، وإبن الأثير الذي يعتبر تاريخه (الكامل) من المراجع الإسلامية الأساسية للحروب الصليبية، وأبو الفداء، وكذلك أمير الشعراء في مصر أحمد شوقي وعباس محمود العقاد، وفي العراق شعراء مشاهير مثل الزهاوي وكذلك عالم اللغة العربية مصطفى جواد، وهو أيضاً كردي من كورد الجنوب الفيليين، وياشار كمال، وهو كردي كذلك، من أكبر وأشهر الروائيين في تركيا فيما كان يكتب باللغة التركية، والأمثلة كثيرة.
س 15: لكن ما ذكرته من أسماء لم يكتب منهم باللغة الكردية إلاّ نادراً…
ج 15: هناك شعراء كورد مهمُّون كتبوا باللغة الكردية مثل علي حريري وملاي جزيري، وعلي ترموكي، وأحمدي خاني، ويضيف البعض بابا طاهر عريان. وهناك شعراء في العصر الحديث من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كالشاعر الكبير نالي الذي كان يكتب باللهجة السورانية، وكذلك الشاعر حاجي قادر كويي، والشيخ رضا الطالباني الذي كانت قصائده بالعربية والكردية والفارسية والتركية، كما ظهر في القرن العشرين في كردستان العراق كبار الكتاب والباحثين والشعراء ممن كتبوا باللغة الكردية وخاصة باللهجة السورانية التي هي الأكثر نشاطاً في كردستان العراق.
س 16: وهي إذن اللهجة التي تكتب بها الصحف الكردية الصادرة في كردستان العراق…
ج 16: نعم إن اللهجة المهيمنة ثقافياً وإدارياً في كردستان العراق هي الكردية الوسطى أي السورانية، وفي تركيا هناك كتابات باللهجة الكرمانجية، وحتى أحياناً بالزازائية بالرغم من الصعوبات السياسية هناك. وفي إيران والعراق يوجد شعراء يكتبون أو كتبوا باللهجة الكردية الجنوبية مثل شامي كرماشاني، وروشني، وملاّ نامدار المندلاوي، وخان منصور و شاكه، وملاّ نموشاد في الطرف الإيراني، وفي الطرف العراقي مثل فرهاد زنكنه، وإبراهيم جهان بخش وغيرهم الكثير في العقود الثلاثة الأخيرة…
س 17: قلتَ في معرض تقديمك للكتاب أنه يعالج بعض المشاكل الأساسية في مجال اللهجات الكردية، فما هي هذه المشاكل؟ وما هو نوع التفكير والتأمل الذي قمت به بشأن تلك المشاكل أو بالأحرى الإشكاليات؟
ج 17: الإشكاليات التي أقصدها تتعلق بتعريف هذه المجموعة اللهجية الكردية المجهولة أكاديمياً، وإبراز موقعها المهم في خارطة اللهجات الكردية، فضلاً عن ضرورة توضيح أكثر تكاملاً للهجات المكونة للغة الكردية فيما عدا اللهجتين الكبيرتين السورانية والكرمانجية، علماً بأنَّالإشكال كان في معرفة اللهجات الجنوبية التي تضم مجموعة كبيرة من المتكلمين بها والتي ظلَّت مجهولة نسبياً لكثير من الأخصائيين وغير الأخصائيين مما أدَّى إلى إغفال أهميتها الحقيقية لحد الآن، حتى من قبل الكورد أنفسهم، فما بالك بالمستشرقين الذين أخطأوا كثيراً في التعامل معها، وشاعت الأخطاء بصددها وكثرت بخصوصها التنظيرات التقريبية الخاطئة والمشوَّشة أحياناً. وقد حاولت في أبحاثي أن أصحح هذه الأخطاء، وأبيّن ما هي اللهجات الجنوبية بعد دراستي لها ميدانياً. وما كان بالإمكان تبديد الأخطاء بدون عمل من هذا النوع، وقد ذكرت كل ذلك في المقدمة الطويلة التي يمكن اعتبار قسم منها بمثابة تمهيد علمي ونظري أو تنظيري للبحث الميداني التطبيقي، وهي مركزة جداً وأخذت منّي سنوات طويلة.
س 18: هل هي بمثابة العمود الفقري للكتاب؟
ج 18: هي بالأحرى جزء مهم من الكتاب والكتاب رغم ضخامته ليس فيه أيّ حشو، فالمقدمة أساسية لفهم المشاكل اللهجية التي عالجتها بعد تشخيصها، وهناك جداول عديدة وإحصائيات وشرح تفصيلي لكل الأبواب الرئيسية في القواعد اللغوية مع خريطة لهجية اقتضى إعدادها مني مدة طويلة، وقد وضعتها في بداية الكتاب، وتشمل المنطقة اللهجية الكردية الجنوبية كلها، علماً بأن تنفيذ هذا العمل في مناطق على طول 500 كلم مربع أكثرها جبلية، وفي غاية الصعوبة.
س 19: المقدمة يمكن أن تكون وحدها كتاباً مستقلاً بعنوان آراء ونقاشات حول اللهجات الكردية…
ج 19: نعم، كان ذلك ممكناً وبعنوان أشمل وأوسع من قبيل آراء وإضاءات حول اللهجات الكردية وقضايا الانتماء والهوية، لكني فضّلت أن تكون المقدمة ضمن الكتاب، فبدونها لا يمكن استيعاب بعض الجوانب والأهداف من مشروع الكتاب، فهي له بمثابة تمهيد فكري وتنويري لموضوعات جوهرية مطروحة في فضاء الأفكار والنظريات الدائرة حول هوية وانتماء أجزاء مهمة من الشعب الكردي وبعض توجهاتها واختياراتها الثقافية.
س 20: في الختام، كيف يمكن أن تعرض الهدف الثقافي العام لعملك الأكاديمي هذا؟
ج 20: أرجو أن تكون هذه المقابلة مفيدة للقارئ من الناحية الثقافية العامة، وتحثه على البحث عما يريد معرفته. وباعتباري أحد الشرقيين الذين تهمهم الثقافة الشرقية وتقدم بلداننا وشعوبنا من الناحية الثقافية والفكرية، حاولت من خلال دراستي هذه أن أخدم شعبي بعمل علمي ملتزم استغرق أكثر من أربعة عقود من الدراسة والبحث الدؤوب والمستمر لحد الآن. لأنني أنتسب أيضاً إلى منطقة هي أكبر من حدود الشعب الكردي، يهمني كذلك أن تترسخ العلاقات الثقافية بالعمق بين مختلف شعوب الشرق الأوسط من عرب والكورد وإيرانيين وأتراك وأرمن وغيرهم، وأنيتعرفوا على ثقافات وفنون وآداب بعضهم البعض متجاوزين بعض الانقطاعات التي حدثت في فترات زمنية معينة بين هذه الثقافات لاسيما منذ القرن الماضي. يلاحظ في العصر الحديث حصول توجه آحادي للثقافة الغربية، غالباً على حساب ثقافتنا المحلية. فبالرغم من مساهمة الغرب في الثقافة والعلوم والآداب الكونية مساهمة مهمة، وبغض النظر عن الأهداف والتوجهات السياسية له، لكن ذلك لا يعني بأن المثقف الشرقي يهمل معرفته بالجوانب المضيئة في ثقافاته الأصلية. فأنا كشرقي وككردي، يهمني معرفة ثقافات الشعوب القريبة منَّا تاريخياً، وأن أطلع على الثقافة التركية والإيرانية والعربية، والهندية والأوزبكية والأفريقية وأن أتعرف على مجمل ثقافات الشعوب الإسلامية التي نحن جزء منها، وهذا أساس للتفتح والتواصل الحضاريين. علماً أنَّ التعرّف على الثقافة الغربية لا يفترض إهمال الثقافات المجاورة لنا فالثقافة الإنسانيةالحقيقية هي إجمالية أكثر منها انتقائية.
س 21: أي لا نترك مثلاً المجال للغربيين وحدهم بدراستنا ونتخلى لهم عن هذه المهام، ولا نقوم نحن بدراسة تاريخنا وتراثنا وحضارتنا…
ج 21: نحن قادرون على دراسة حضارتنا، وحتى وحضارتهم أيضاً، إذا ما تحلينا بالمعرفة والثقافة الواسعة وبأساليب الفكر الرصين. ولا ننكر أن الغربيين قاموا بدراسات علمية مهمة ودقيقة جداً لحضارتنا. وعلينا أن نبحث دون كلل في كنوز حضارتنا وحضارة القريبين منّا في القارة الأفريقية والآسيوية إلى جانب معرفتنا المتواصلة وتعمقنا في الحضارة الغربية. ومرة أخرى لا يجب أن يكون ذلك على حساب معرفتنا بحضارتنا التي تشكل خصوصيتنا وهويتنا.
س 22: هناك حروف عربية وحروف لاتينية في كتابة اللغة الكردية فهل لك أن توضح لنا ذلك؟
ج 22: كتابة اللغة الكردية في مناطق كردستان العراق وإيران تتم بالحروف العربية المعدّلة، وقد حصل إجراء التعديل على الأحرف العربية المستخدمة في الكردية منذ سنة 1929 وأضيفت إليها أساليب رموز أو حروف خاصة باللغة الكردية ككتابة الحركات أو الصوائت القصيرة. وفي إيران تُكتب اللغة الكردية بشكل عام أيضاً بالأحرف العربية المعدلة ولكن في تركيا تكتب اللغة الكردية الكرمانجية بالحروف اللاتينية، لأن غالبية الكورد الكرمانجيين، وكذلك الكورد الزازا الذين يمارسون لهجة الزازا الخاصة بهم، موجودون ضمن الدولة التركية ويتعاملون يومياً باللغة التركية التي تكتب بالحروف اللاتينية بعد قرار أتاتورك الشهير سنة 1928بتبني لتننة الكتابة التركية. وبعد فقد الكورد لممارسة الكتابة بالحروف العربية اعتادوا تدريجياً على الحروف اللاتينية، وهناك القسم الكردي الموجود في الاتحاد السوفيتي سابقاً، فقد تبنى منذ ما يقارب التسعين سنة كتابة الكردية بالحروف السيريلية ولكن خياره الكتابي تحول منذ بداية التسعينيات نحو الأبجدية اللاتينية سيما في أرمينيا وأذربيجان. وأنا أشجع الكورد عموماً على عدم التخلي عن الكتابة بالحروف العربية المعدلة، أو حتى غير المعدلة مع إدخال بعض الرموز الإضافية الضرورية عليها والالتزام الصارم بوضع الحركات.
س 23: لكنك لم تستخدم الحروف العربية في كتابة الكلمات والعبارات والنصوص الكردية في كتابك بنسخته الفرنسية؟
ج 23: لأسباب تقنية بحتة، ولأن الكتاب بطبعته الأصلية مكتوب باللغة الفرنسية، فقد اضطررت إلى كتابة الكردية بحروف لاتينية فقط، فيما ترى استخدامي في الطبعة العربية له، للأحرف العربية أيضاً في تدويني للكردية الجنوبية.
س 24: سيتعمق الوعي بالتأكيد بطبيعة وأهمية اللهجات الكردية الجنوبية التي درستها بعد صدور هذا الكتاب، لا سيما بنسخته العربية..
ج 24: هذا هو المأمول بالطبع، فالكتاب سيفيد الباحثين والمثقفين، وكل الذين سيكتبون مستقبلاً عن اللغة الكردية، ولابد لأي باحث في اللغة الكردية، ولكل من يحب الاطلاع على هذه اللهجات وعلى هوية المتكلمين بها، الرجوع إلى هذا الكتاب لفهم عوالم هذه المجموعة اللهجية الواسعة.
س 25: قمتَ في السنوات الأخيرة بترجمة الكتاب إلى العربية مع إضافة بعض الفصول إلى النسخة الفرنسية. ويمثل هذا الكتاب على ما أعرف بنسختيه الفرنسية والعربية توسعة بما يقارب ثلاثة أضعاف المناطق المدروسة في أطروحتك لدكتوراه الدولة المنجزة عام 1988م من جامعة باريس بحيث أصبح كتابك أوسع وأشمل دراسة لغوية لمجموعة لهجية كردية.. وسؤالي هنا هو: لماذا اخترتَ اللغة العربية وأنت توجه كتابك بشكل رئيسي للقراء الكرد؟
ج 25: باعتباري ابن بغداد، وأجيد اللغة العربية التي أكملت بها دراستي من الابتدائية إلى الثانوية، فإن ذلك ساعدني على ترجمة هذا الكتاب الضخم من الفرنسية إلى العربية، علماً بأن الكرد الجنوبيين العراقيين يجيدون جميعهم اللغة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة لجزء مهم من الكردستانيين العراقيين، وكذلك أيضاً لقسم صغير من الكرد الجنوبيين في إيران. وفي هذه الحالة ستكون هناك إمكانية أكبر لترجمة الكتاب من العربية إلى الفارسية، أو من العربية إلى الكردية السورانية، بل وحتى إلى الكردية الكرمانجية، حيث أن ترجمته من العربية إلى تلك اللغات أسهل من ترجمته من الفرنسية. ومن جهة أخرى يهمني شخصياً تعريف القارئ العربي وإطلاعه على جوانب من الثقافة الكردية، وإتاحة الفرصة للأساتذة وللطلبة وللباحثين العرب والكرد في علم اللغات واللهجات في الجامعات (كما هو حاصل في العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكيةفي فروعها المتخصصة باللغات الشرقية) للانتفاع من محتوى ومنهج هذا البحث الميداني الواسع، وكذلك لبلوغ فهم أعمق بطبيعة اللهجات الكردية.
س 26: هل ستظهر للكتاب ترجمة بإحدى اللهجات الكردية تحديداً لتعم فائدته لاسيما وإن عدد الكورد في العالم يقدر بحوالي 50 مليون نسمة؟
ج 26: يمكن أن تظهر له ترجمة كردية بعد أن ظهرت الترجمة العربية للكتاب على يد مترجمين كورد يتقنون اللغتين العربية والكردية الوسطى، أو العربية والكردية الشمالية، والكورانية الزازائية. هناك كتاب مكنزي عن قواعد اللغة الكردية الذي درس بعض الفروع في اللهجتين السورانية والكرمانجية، وهو كتاب مهم للباحثين الكورد، لكنه بقي بلغته الأصلية الإنجليزية، ولم يترجم بقسمه اللغوي إلى اللغة الكردية لحد الآن على حد علمي، فترجمة هذا النوع من الكتب في غاية الصعوبة وتحتاج إلى جهد كبير. لهذا أخذت على عاتقي القيام بترجمة كتابي من الفرنسية إلى العربية. وباعتقادي ستظهر له في المستقبل ترجمة كردية وفارسية، وحينئذ سأراجعها بنفسي، خاصة فيما يخص تفهم المترجم لبعض المفاهيم والمصطلحات اللغوية الدقيقة. وربما ستظهر له كذلك ترجمة للإنجليزية التي ستكون مفيدة ومهمة أيضاً وأسهل للكثير من أبناء الجالية الكردية المقيمة في الغرب.
س 27: نقرأ بين الحين والآخر هنا وهناك أفكاراً أو تصريحات حول أصل الكرد الفيليين، فالبعض يربطهم بالعيلاميين، وحتى أحياناً بالسومريين، فيما قرأت بأن المؤرخ العراقي د. خزعل الماجدي، في إحدى محاضراته في السنين الأخيرة، أرجع أصل أو انحدار الكرد الفيليين إلى الأنباط العراقيين ــ ماذا يمكنك القول باختصار حِيال هذه الآراء؟
ج 27: حول محاضرة د. الماجدي، وعلى الرغم من عدم اطلاعي على تفصيلاتها، إلا أن الفكرة الأساسية لها، على ما يبدو، هي انحدار الكرد الفيليين من الأنباط الذين سكنوا لقرون عديدة قبل الفتح الإسلامي بعض الأجزاء من النصف الجنوبي العراقي وخاصة في البطائح.
لا أعرف في هذه الفكرة الغريبة كيف أن هؤلاء الأنباط الساميين كيف هجروا لغتهم السامية الأصلية ليستبدلونها باللغة الكردية، وكذلك كيفية ذوبانهم الجماعي في قومية مختلفة عنهم؟؟ وما هي تلك الظروف القاهرة التي دفعتهم إلى التنصل من أصولهم السامية والانتماء إلى ملة أخرىلم تكن غازية للغة وهوية وثقافة الأقوام المنكسرة، فإنني لا أرى ما يدل على حصول ظروف من هذا القبيل أو غيره كان من شأنه أن يتسبب بهذا التغيير الانتمائي لهؤلاء الأنباط، علماً بأن وجود الكرد في هذه البقاع أقدم من وجود الأنباط..
من جانب آخر، يظهر أن د. الماجدي لم يُبصر الامتداد العشائري الكبير والأوسع في الطرف الإيراني المقابل، وتواصلهم العميق مع أقرانهم الكرد الفيلية ولمسافات جغرافية تمتد لمئات الكيلومترات شمالاً باتجاه كرمنشاه وخانقين وما بعدهما محتفظين بوحدة مجموعتهم اللهجية الكردية الجنوبية التي تلتقي باللهجة الكردية الجنوبية.
وباقتضاب شديد، أتعجَّب من وقوع د. الماجدي في تخريجات من هذا النوع، والتي هي أقرب إلى الثرثرة منها إلى المعرفة الرصينة.
وتذكّرني هذه المقولات الهزيلة بتلك التي ارتكبها العديد من المؤرخين المسلمين في العصور الوسطى حين تعرضهم لأُصول بعض الشعوب المسلمة كالكرد والبربر وغيرهما، وكيف أنهم أسهموا في هذا المجال في تضليل العقول وحجب الضوء عن دروب المعرفة…
أما عن محاولة بعض الأفراد أو الجماعات الصغيرة ربط أصل الكرد الفيليين بالعيلاميين، أو حتى أحياناً بالسومريين فهذا ضربٌ من التشويش المضلِّل، وهو لا يخدم إطلاقاً أهداف التنوير بفرعه الفيلي والجنوبي.. وفي هذه الحالة كما في الحالة السابقة يسعى هؤلاء الأشخاص في مداخلاتهم عن وعيٍ أو دون وعيٍ خلق أو اختلاق تاريخ خاص ومنفصل للكرد الفيلية قد يُبعده تدريجياً عن بقية الشرائح الكردية..
لعل ما لا يدركه هؤلاء الأفراد هو أن العيلاميين التي اضمحلَّت مملكتهم سياسياً على يدِ كورش الاخميني عام 540 ق.م، لم تكن لهم صلة من ناحية اللغة والعِرق بالقبائل الإيرانية (الآرية) التي توسَّع نشاطها في الهضبة الإيرانية منذ بدايات الألف الأُولى قبل الميلاد. وكان الكرد جزءاً من هذه الأقوام الآرية المتنوعة والقادمة من الشمال وذات اللغات الهندو ــ اوربية، فضلاً عن انتمائهم عموماً إلى الجنس الأبيض وبتأثيرات قفقاسية وبحر متوسطية. أما اللغة العيلامية فهي على غرار اللغة السومرية، تنتمي إلى واحدة من عوائل اللغات المسماة باللغات اللصيقة التي تضم اليوم عشرات الأجناس المختلفة واللغات الحديثة، كاللغات الدرافيدية واليابانية، والكورية والتركية ــ المغولية وغيرها.
وتختلف هذه العائلة اللغوية تماماً عن عائلة اللغات الإيرانية
(الهندو ــ أوروبية)، وكذلك عن اللغات السَّامية، ويرجّح العديد من علماء الأنثروبولوجيا أن العيلاميين يمكن إدراجهم أو اعتبارهم من الناحية الإثنية قريبين من الأقوام ذات السحنة الغامقة غير الزنجية كما هو الحال في جنوب الهند وسيلان عند مجاميع التاميل أو بعض المجاميعالهندية غير الآرية التي تتكلم بعائلة اللغات الدرافيدية. أضف كلمة أخيرة حول موضوع العيلاميين الذين كانوا يشغلون إجمالاً الأراضي الواقعة إلى الجنوب من مدينة ايوان والتي كانت تضم مناطق المجموعة المسماة اليوم باللرية البختيارية..
لا شك أن هذه المجموعة اللرية ــ البختيارية هي أكثر مجموعة إيرانية أو كردية ــ إيرانية استوعبت أو استنبطت بقايا المجاميع العيلامية التي أُزيحت من مسرح التاريخ من قبل القبائل الإيرانية التي احتلَّت مشهد الأحداث السياسية في إيران منذ القرون الأولى من الألفية الأُولى قبل الميلاد.
إنَّ افتراض احتواء العيلاميين تدريجياً من قبل المجموعة اللرية ــ البختيارية (غير الكردية الجنوبية) لا يجعل من هذه المجموعة أحفاداً للعيلاميين ذات الأصول غير الهندو ــ أوروبية جنساً ولغة.
