عبد الرحمن حبش*
بعد سنواتٍ من المعاناة والتهجير القسري الذي تعرض له أهالي عفرين تبرز اليوم بوادر عودة تدريجية لأبنائها إلى قراهم وبيوتهم في مشهد يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد العودة الجغرافية إلى الأرض ليعبر عن انتصار إرادة الصمود في وجه محاولات الاقتلاع والتغيير الديمغرافي التي استهدفت المنطقة منذ سنوات.
لقد شكلت مأساة عفرين واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الكورد في سوريا خلال السنوات الأخيرة. آلاف العائلات اضطرت إلى ترك منازلها وقراها تحت وطأة الحرب والانتهاكات لتعيش سنوات من النزوح والاغتراب في مناطق مختلفة من سوريا وخارجها في ظروف إنسانية صعبة لكنها لم تفقد يوماً ارتباطها بأرضها وهويتها. ورغم قسوة التهجير ظل أهالي عفرين متمسكين بحقهم التاريخي في العودة إلى ديارهم. لم يتحول النزوح إلى استسلام بل كان محطة مؤلمة في مسيرة طويلة من الصمود. وفي مختلف أماكن وجودهم واصل أبناء عفرين النضال السياسي والحقوقي والإعلامي من أجل إبقاء قضيتهم حية والعمل على فضح سياسات التغيير الديمغرافي التي استهدفت منطقتهم.
كما لعبت الجاليات الكوردية في الخارج إلى جانب النخب السياسية والثقافية دوراً مهماً في دعم قضية عفرين من خلال التحرك في المحافل الدولية والدفاع عن حقوق المهجرين والمطالبة بضمان عودة آمنة وكريمة لأهلها واستعادة ممتلكاتهم التي تعرض الكثير منها للنهب والاستيلاء.
إن عودة أهالي عفرين اليوم ولو كانت تدريجية وفي ظل تحديات كبيرة تحمل معنى سياسياً وإنسانياً بالغ الأهمية. فهي تؤكد أن محاولات تغيير هوية المنطقة وفرض واقع ديمغرافي جديد لن تنجح في كسر إرادة السكان الأصليين أو اقتلاعهم من جذورهم التاريخية في هذه الأرض.
فعفرين لم تكن مجرد منطقة جغرافية بل كانت وما تزال رمزاً للهوية الكوردية في سوريا وفضاء ثقافياً واجتماعياً تشكل عبر قرون طويلة من التعايش والتاريخ المشترك. ولذلك فإن عودة أبنائها تمثل خطوة أساسية نحو استعادة التوازن الطبيعي للمنطقة وتصحيح جزء من الظلم الذي لحق بأهلها. غير أن هذه العودة تحتاج إلى ضمانات حقيقية أهمها توفير الأمن والاستقرار ووقف الانتهاكات وإعادة الحقوق والممتلكات إلى أصحابها إضافة إلى تأمين بيئة قانونية وإدارية تضمن كرامة السكان وحقوقهم كمواطنين أصيلين في أرضهم.
إن ما نشهده اليوم هو رسالة واضحة بأن إرادة الشعوب أقوى من كل سياسات الإقصاء والاقتلاع. فصمود أهالي عفرين وتمسكهم بأرضهم يشكل انتصاراً معنوياً كبيراً على كل محاولات فرض التغيير الديمغرافي.
وفي النهاية تبقى عودة أهلنا إلى عفرين ليست مجرد عودة إلى البيوت والقرى بل هي عودة إلى الجذور والتاريخ والهوية. وهي خطوة على طريق طويل لاستعادة الحقوق وتحقيق العدالة وترسيخ مستقبل يضمن لأبناء عفرين العيش بحرية وكرامة في أرضهم التي لم يتخلوا عنها يوماً.
*سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي