د.ابراهيم احمد سمو
المدخل :
يأتي هذا المقال استلهامًا من لقاء تلفزيوني أُجري اليوم معنا على فضائية كوردستان 24،
الساعة الثانية والنصف ظهرًا من يوم الاثنين 2026/3/9. تناول اللقاء قراءة في تطورات الوضع الراهن والحرب الدائرة وتداعياتها الإقليمية والدولية. وقد حاولنا في هذا اللقاء تسليط الضوء على طبيعة التحولات المتسارعة في المشهد السياسي، وعلى حجم التأثيرات التي قد تتركها هذه الحرب على المنطقة ككل، ولا سيما على إقليم كوردستان وما يحيط به من بيئة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.
الإطار العام للتحليل
في أزمنة الحروب الكبرى يصبح التحليل السياسي مهمة معقدة، لأن الثوابت التي يعتمد عليها المحللون غالبًا ما تتعرض للاهتزاز أمام سرعة المتغيرات. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الطويلة لا تُفهم فقط من خلال لحظة زمنية واحدة، بل من خلال تراكمات سياسية واستراتيجية تمتد عبر عقود وربما قرون. وعندما يقال إن الحرب الدائرة تتوقف للحظة في زمن الثوابت، فالمقصود أن هناك مبادئ أو مصالح عميقة لدى الدول لا تتغير بسهولة، حتى وإن تغيرت الحكومات أو القيادات.
في كثير من الصراعات الدولية نجد طرفًا بنى سياسته عبر الزمن على قاعدة واضحة: المصلحة الاستراتيجية تأتي قبل الاعتبارات الأخلاقية في إدارة الصراع. هذا النوع من الدول يعتمد على حسابات القوة والنفوذ، ويعمل ضمن رؤية طويلة المدى تهدف إلى تثبيت موقعه في النظام الدولي. وفي المقابل قد نجد دولة أخرى ذات تاريخ إمبراطوري طويل، تشكلت هويتها السياسية حول فكرة الدفاع عن الوطن والكيان أكثر من الدفاع عن الحكومات المتعاقبة. في مثل هذه المجتمعات قد يكون من السهل انتقاد الحكومات أو التحايل عليها سياسيًا، لكن عندما يظهر خطر خارجي حقيقي فإن الشعور الجمعي بالدفاع عن البلاد يصبح عاملًا موحدًا يصعب تجاوزه أو المراوغة أمامه.
تزداد الصورة تعقيدًا عندما تدخل شخصية قيادية ذات أسلوب غير تقليدي في الحكم، كما حدث خلال رئاسة دونالد ترامب في الولايات المتحدة. فقد اتسمت هذه المرحلة بدرجة عالية من التغير في المواقف والتصريحات، حتى بدا أحيانًا أن القرار السياسي يمكن أن يتبدل خلال ساعات قليلة. ففي الصباح قد يظهر موقف حازم ومؤكد، ثم يتحول عند الظهيرة إلى حالة من التردد أو الجمود، ليظهر لاحقًا موقف ثالث مختلف عن الاثنين. هذا النمط من القيادة يجعل من الصعب على المحللين رسم خطوط واضحة لمسار الأحداث أو توقع الخطوات القادمة بدقة.
وفي ظل حرب بين دولتين لكل منهما تاريخ ورؤية استراتيجية مختلفة، يصبح تحديد ملامح المستقبل أكثر تعقيدًا. فالحروب لا تترك آثارها فقط على طرفي الصراع، بل تمتد تأثيراتها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية، وحتى الاستقرار السياسي في دول بعيدة جغرافيًا عن ساحة القتال. ومع تراكم هذه الآثار بمرور الوقت، قد تتغير موازين القوى تدريجيًا، وقد تظهر تحالفات جديدة أو تتراجع أخرى.
لذلك فإن فهم مثل هذه الحروب لا يعتمد فقط على قراءة الأحداث اليومية، بل يحتاج إلى رؤية أوسع تأخذ في الاعتبار التاريخ، والمصالح الاستراتيجية، وطبيعة المجتمعات، إضافة إلى دور القيادات السياسية وتأثير قراراتها المتغيرة. وعند جمع هذه العناصر معًا يمكن الاقتراب أكثر من فهم الصورة الكاملة، وإن بقيت بعض ملامح المستقبل مفتوحة على احتمالات متعددة