ياس خضير ابراهيم
شهدت العلاقات العراقية التركية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ازمات متعددة على مختلف المستويات سواء كانت سياسية او اقتصادية ولكن أبرز هذه الازمات هو ما ارتبط بمسألة المياه بين البلدين وهي مشاكل عادةً ما تحدث بين دول المنبع والدول التي تمر بها المياه، اذ ان الخلل الذي وقع به العراق هو عدم وجود اتفاقية دولية نهائية بينه وبين تركيا يتم من خلالها تقاسم المياه تحدد بموجبها حصص ثابتة وملزمة لكلا الطرفين.
اما الاتفاقيات التي حدثت بين الجانبين فهي لا تتعدى كونها تفاهمات ثنائية يتم من خلالها تنظيم المياه بين الجانبين الا ان الجانب العراقي عادةً ما يستند الى معاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين في عام 1946 والتي اودعت في اروقة وسجلات الامم المتحدة بالرقم (580) والتي اشارة صراحة الى مياه دجلة والفرات واكدت في بروتوكولها بتنظيم مياه دجلة والفرات والزمت تركيا بأن تقوم بإبلاغ العراق باي مشروع تنوي اقامته على نهري دجلة والفرات الا ان تركيا اعتبرت هذه الاتفاقية قديمة ولم تراعي تغطية الاحتياجات الحالية والزيادة السكانية فضلاً عن انها لا تتضمن ارقاماً معينة لتصريف المياه.
كذلك من الاسباب التي ادت الى عدم وجود اتفاقية نهائية بين البلدين هو الاختلاف وجهات النظر في تفسير الرؤية القانونية حيث طالب العراق باتفاقية ملزمة تعقد بين البلدين تحدد من خلالها حصته المائية مستندة بذلك الى اتفاقية الامم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية لسنة 1997 والتي انضم اليها العراق اما وجهة النظر التركية ترفض ذلك لأنها لا تعتبر نهري دجلة والفرات انهار دولية بل تعتبرهما مياه عابرة للحدود وبذلك ترى تركيا ان لها السيادة المطلقة على نهري دجلة والفرات ودائماً ما كانت تفضل اقامة مذكرات التفاهم بين البلدين بخصوص المياه على عقد الاتفاقيات الدولية.
واستمرت الازمة المتعلقة بتحديد حصة العراق من المياه وفق اتفاقية رسمية بين البلدين الى يومنا هذا على الرغم من توقيع الاتفاقية الاخيرة بين البلدين في عام 2026 لأداره ملف المياه بين الجانبين الا انها لا تخلو من الملاحظات والثغرات التي حددها الخبراء والمهتمين بالشأن المائي وأبرزها هو عدم وجود ارقام محددة تلزم تركيا بإطلاق كميات معينة من المياه الى العراق.
وعلى الرغم من كل ما تقدم تبقى مسألة المياه مشكلة يعاني منها العراق ولم تتمكن الدولة العراقية منذ عقود ايجاد الحلول المناسبة لها والسبب في ذلك هو عدم وجود اتفاقية رسمية مودعة لدى الامم المتحدة تلزم الجانب التركي بتحديد حصص مائية ثابتة للعراق على عكس بقية الدول الاخرى التي لديها مياه مشتركة مثل دول حوض النيل ومصر اذ تمكنت مصر من تثبيت حقوقها المائية عن طريق معاهدات رسمية مودعة لدى الامم المتحدة حددت الحصص المائية لمصر ولم تكتفي مصر بتحديد حصصها المائية فقط بل تمكنت في اتفاقية 1929 الموقعة بينها وبين بريطانيا ممثلةً عن دول حوض النيل ان تحصل مصر على حق الاعتراض على اي مشاريع تقام على نهر النيل تسبب الضرر في حصة مصر المائية التي حددت فيما بعد بموجب اتفاقية اخرى عام 1959والتي بلغت اكثر من 55 مليار متر مكعب سنوياً.
وفي ضوء ما تقدم فأن كل ما جرى بين العراق وتركيا عبر الاتفاقيات الثنائية بمسألة المياه لا يتعدى كونه تفاهمات ثنائية تخضع لوجهات نظر متعددة كلٍ يفسر النص وفق مصالحه وبالتالي لا يمكن الوصول الى حلول جذرية لهذه المسألة الا عن طريق اتفاقية رسمية تودع في الامم المتحدة تحدد حصص مائية ثابتة للعراق وتلزم الجانب التركي بذلك.