هاشم شفيق… حياة غارقة بالشعر والابداع

محمد الحمامصي

أخلصت للشعر ولم أحبّ أحدا سواه

الشعر هو الرفيق الأوحد في الحل والترحال، وهو البوصلة التي يتحرك في اتجاهها الشاعر العراقي هاشم شفيق، وهو التجربة الحياتية العميقة والحكاية التي قرر أن يسردها في مجلدين يجمعان قصائده كاملة أصدره في معرض القاهرة للكتاب لهذا العام.

تحفل تجربة الشاعر العراقي هاشم شفيق بغزارة وثراء رؤاها وتمرد مراحلها وقدرتها على تجاوز ذاتها، الأمر الذي مكنها من عدم الوقوع في التكرار، وقد تشكلت عبر ست عشرة مجموعة شعرية على مدار ما يقارب نصف قرن، حيث انطلقت عام 1978 بديوان (قصائد أليفة) ولا تزال تواصل عطاءها.

وجنبا إلى جنب التجربة الشعرية قدم هاشم شفيق المولود عام 1950، الذي يعد واحدا من أبرز شعراء السبعينات من القرن الماضي في العراق، أعمالا روائية وترجمات لمختارات شعرية لعدد من كبار الشعراء العالميين، فضلا عن العديد من القراءات النقدية.

ولد شفيق في بغداد ودرس فيها. غادر العراق في عام 1978. عمل مذيعًا في إذاعة المقاومة الفلسطينية في بيروت. ثم عمل في الصحافة العربية لسنوات طويلة. وهو يقيم في العاصمة البريطانية لندن بعد ترحال طويل في دول المنافي.

واحتفل شفيق في معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الخامسة والخمسين بصدور مجلدين من أعماله الشعرية الكاملة، عن مؤسسة أروقة، حمل أولهما مجموعاته: قصائد أليفة، أقمار منزلية، شموس مختلفة، نوافذنا.. نوافذهم، أوراق لنشيد ضائع، طيف من خزف، صباح الخير… بريطانيا، وحمل الثاني مجموعات: إعادة نظر، ورد الحناء، غزل عربي، مئة قصيدة وقصيدة، مشاهد صامتة.

يقدم شفيق لأعماله قائلا: ((منذ تفتّحتْ عيناي على الحياة ورأيتُ الدنيا، رأيت الشعر، لم أرَ أحدًا سواه، رأيته في قطرات الحليب التي كانت تنزل في فمي من الأم، رأيته في قبلات رعاية الأب، وحنوّه وشقائه، وسيره نحو النهايات، رأيته في عيون الأطفال والأمهات والنساء المتلفّعات بالسواد، رأيته في عيون البنات العاشقات، وفي قلوب المُحبّين، رأيته يسير معي في حي فقير، ويداري شقائي وفاقتي، ويعدني بأنّ الأحوال لا بدّ وأن تتغيّر، ولا بدّ وأن أشبّ وأقوى، لأشق الطريق، مهما كان صعبًا)).

ويتابع :((الشعر قد يساعد ويخفف العبء، ولذلك سرت معه، كحبيب دائمي، وأنا صبي في الرابعة عشرة، كنت أختلي به في الغرف المتقشّفة، والسطوح المشمسة، والزوايا الظليلة، لكي أمنح منه، دون كلل، ودون ملل، فهو الشيء الوحيد الذي ظللتُ معه طوال حياتي ولم أفترق عنه، أو أملّه كشريك لي، أو كرفيق ورديف ونظير لي في حياتي أبدًا، بل كلما تقدّمتُ في السن كلما زاد تعلقي به أكثر، لقد أخلصتُ له، ولم أحب أحدًا سواه، بل سرت معه ومشيت، فخاطرنا معًا، وتجاوزنا الصعاب، عبرنا أسلاكًا وأسوارًا وحدودًا، واخترقنا الممنوع، وتمرّدنا على كلّ وصية ومسلك وسبيل، لم نرغب السير فيه، فتعدّيناه، إلى ما نبتغي ونريد ونُحبّ كلانا، لقد جعنا وبردنا وتشرّدنا، وسهرنا ونمنا معًا في سرير واحد، وأكلنا من صحن واحد، وشربنا من كأس واحدة، ولم نملّ من بعضنا، كان أكبر من اقتران وزواج وحب عابر أو مؤقت، كان هو العشق ذاته، والوجدان ذاته، والمشاعر ذاتها، وهو كان كل الأحاسيس والشهوات واللذات…)).

نماذج من قصائد هاشم شفيق:

طيران

خلعتْ أثوابَ الأشجارِ

وأدلتْ ساقيها في الطستِ الذهبي الممتلئ

بماءٍ شذريٍّ – القدمُ محنّاةٌ

الأخرى فيها وشمٌ كحليٌّ وطواطمُ قرويَّة

اغتسلت بضياءٍ شفافٍ

غسلتْ ذاكرةً صدئة

فركتْ تاريخًا مغبرًا

وخيالًا معطوبًا

دلكتْ ركبتها بالأعشابِ

وساعدها بالريشِ

وحين اكتملتْ

طارتْ وسط سماءٍ مرئيَّة.

***

المغزل

في يدها تضطربُ الريحُ،

لكَمْ جلستْ في باب الحوش،

لتغزلَ أيام طفولتها فوق العتباتِ

وبين نساءِ الجيرانْ.

كم هَدَرَتْ من وقتٍ؟

وهي تفكِّرُ في فتنتها المغزولةِ في خيطٍ

يتعدّى الأفق الشاحبَ،

كم كانت ملأى بالنمش القرويِّ

ومثقلةً بالكحلِ

بزينتها البريَةِ

بسوِاكِ الأسنانِ

وبالديرمِ،

بلبان المَسْتَكِ؟

كم كانت ثكلى بالخيطانِ

بصوف المرعى المتكدِّس في الحضنِ؟

يدي حول الطرفِ الآخرِ

من خيطِ نهايتها

والمغزلُ ما زال يدورْ!

***

وهم

خذوني إلى بابل المستريحةِ

تحت سماء الرمادِ

خذوني لأسواقها والدكاكينِ

ألثُمُ ذا المبتغى

وأُقبّل ذاك الجدارا

أمشط بالمسكِ

شعر القرى

وأُهيلُ على الشاطئ الخزفيِّ

دمي جلّنارا

لعلِّي أنام على السّورِ

مثل اليمامِ

وأبني عليها

من الوهمِ دارا.

***

النحّات

بيدي

أعتصرُ الزمنَ المتكلّسَ،

علّي أعثرُ فيه على ماءٍ

منتثرٍ في اللغزْ.

إنّي نحّاتُ الميقاتِ

فسوف أُشذَّبُ هذا الضوءَ

لكي أُبرزَ ذاك الرمزْ،

علّي أكتشفَ البعدَ الخامسَ

في النيرانِ،

وأصداءَ الصوتِ الغامضِ في النايِ

وعلَّ البحرَ

يجيءُ إلى بيتي

محمولاً في رائحة اللوزْ.

قد يعجبك ايضا