د. منذر جلوب
في الثمانينات من القرن الماضي كانت الحرب العراقية الإيرانية في أوج استعارها. وللحروب فوائد جمة للحكام. فهي فضلا عن صناعة رموز وأبطال زائفين تنفع في تصفية الأبطال الحقيقيين. فكم من مرة حصل طباخ الآمر أو مراسله على نوط الشجاعة، وأعدم المعترض أو صاحب الفكرة والضمير بتهمة الخيانة وكم من شجاع ملؤا جسده بالرصاص بتهمة الجبن. والحرب فرصة للتافهين المتملقين ان يمحوا الفروقات بين حب الوطن وبين الصعود على اشلاء ابناء الوطن الحقيقيين.
في ذلك الوقت وجدت النخبة المثقفة من علماء وشعراء وتربويون وطلبة جامعات وأساتذة، وجدوا أنفسهم بين خيارات بائسة. فأنت إما أن تصبح مع الحاكم رغم وضوح الهاوية التي يقود إليها البلد أو أن تصبح ضد الحاكم فتسحقك آلته العنيفة قتلا أو سجنا وتنكيلا بعائلتك وأقربائك حتى الدرجة الرابعة (لحد الآن ما فاهم الدرجة الرابعة وين حدهه)، أو تحاول أن تتجنب هذين الخيارين بأن تعرض نفسك على أنك محايد على أتفه أنواع الحياد بأن تكون بليدا خاملا مزويا عن أي نشاط ثقافي أو اجتماعي لعلك تفلح أن تفوز بنسيان الجلاوزة، وقلما تفلح بذلك.
عندها انتقلت طالبا في قسم الفلسفة في كلية الاداب جامعة بغداد وكان الأستاذ الدكتور عبد الأمير الأعسم أبرز الأشخاص النشطين والفاعلين في القسم، على الرغم من أنه ما كان رئيس قسم ولا مقررا.
كان مختالا مثل طاووس، متكبرا مثل نسر، وفخما مثل قصور الملوك. في عام 1985 كان الأعسم هو المسؤول الحزبي في قسم الفلسفة. اصطدمت معه ورفعت صوتي عليه بنزق يدعو للقلق. فقد كان بامكانه أن يضعني بين براثن ضباط أمن الكلية النهمين من أمثال رفيق رياض ورفيق رزاق ورفيق مطاع والقائمة الطويلة من العلنيين والسريين.
سبب الصدام أن الأعسم ألح بشدة أن أوقع على تسجيل اسمي مؤيدا في حزب البعث وهو أمر كنت أراني بعيدا عنه. أمعن الأعسم بالمضايقة في كل مناسبة وفي غير مناسبة وأمعنت في التمرد عليه والتطاول عليه أمام (اللوكية) وصغار الوكلاء من الطلبة إلى حد التجريح، مع علمي أنهم يتبرعون بنقل الكلام إليه، وهذا ديدن اللوكية وبهجتهم وغاية وجودهم على مر العصور. كان طيشا مني (كنت دون العشرين) حسبته شجاعة وتباهيا أمام زملائي من الجنس اللطيف والجنس القبيح.
كان بمقدور الأعسم أن يخفي ضوء الشمس عني إلى ما شاء الله. مع هذا فقد استمر بالالحاح متكبرا كأنه يريد أن ينعم علي بوضع اسمي في قوائم البعثيين، موحيا أن مسألة التوقيع مسألة شكلية لا تعني شيئا والامتناع عنها فيه خطورة أن أحسب على أعداء الحزب والثورة والقائد خصوصا أن كوني من مدينة النجف يعد بمثابة خلل جيني في حسابات ذاك الوقت.
مما أثار استغرابي أن الأعسم على الرغم من الحاحه على التسجيل في الحزب، كان يتحدث عن كل شيء إلا عن الحزب والقائد. كان يتحدث عن سهولة المجيء للاجتماع والخفارات وقضاء وقت ممتع مع الاصدقاء ومفيد من الناحية العلمية لكوننا كلنا طلبة وسيكون بوسعنا أن نأتي بكتبنا معنا ونذاكر ويقوم هو بالاشراف على تلك المذاكرة طوال الليل!! هكذا كان يحاول تسويق التسجيل بالحزب وحضور الاجتماعات والخفارات الليلية في الفرقة.
كان يدعوني الى بيته أو الى مكتبه ببساطة المهني لا بتكلف المتصنع الذي يريد الناس ان تقول عنه (خوش آدمي). والحق أن الأعسم لم يكن يعنيه أن يقول عنه أحد (خوش آدمي). وبين الاكبار لجهده في الإشراف وعلميته وبين بغضي لارتباطه بالسلطة وضيوفه السمجين المخيفين من البعثيين كان لابد لي من احترامه ذلك الاحترام الذي يفرضه على الجميع. وبعد أن صار مشرفي وحتى أكملت أطروحتي للدكتوراه وبعدها، لم يعد ممكنا أن أبدي أي انتقاد عليه في العلن لأن ذلك سيكون قدحا بي، وتلك من الأخلاقيات التي أتمنى أن نورثها لطلبتنا.
وطول الوقت لم ألحظ ابتعاد الأعسم عن كلمات المديح للنظام وأنه لم يكتب كتابا ولا مقالة ولا سطرا في ذلك السياق، ولم يستخدم سلطاته للإضرار بأي شخص ممن كانوا يحوكون الدسائس ضده، شأن الإمعات التي تحارب الناجحين والمنجزين. وهو بهذا كان كبيرا مختلفا عن صعاليك الفلسفة وخنافس الإدارة التي تتسلق خزف تلك القذارة وتمارس سقوطها قبل السقوط وبعده. لم ألحظ احتمال أن يكون الاعسم من بين المثقفين قد اختار أن ينخرط بالنظام الحاكم، طالما كانت مواجهته لا مجدية بل خاسرة بحكم الوضع الدولي حينها، كي يخدم النظام التعليمي والحركة الفلسفية فيسهم في بناء جامعة الكوفة وبيت الحكمة وعدد من الجمعيات العلمية واقامة مؤتمرات علمية قل نظيرها.
هاجرت من العراق وعشت في بريطانيا، وفي سنة 2001، في مدينة لندن التقيت بإحدى السيدات الفاضلات من التدريسيات في قسم الفلسفة (لست متأكدا من موافقتها على ذكر اسمها لذا أغفله)، وكان من تشعبات الحديث وذكريات قسم الفلسفة وطلبته واساتذته وما حدث لي في الثمانينات من شد مع الاجهزة الأمنية، وحرمان من الدراسات العليا ردحا من الزمن، أن أفشت إلي تلك السيدة بمعلومة صادمة، قالت:
((… كان الموقف خطيرا، الحمد لله على سلامتك، لأنه في أحد الأيام من عام 1985، وحين كان الأعسم هو المسؤول الحزبي للقسم، وكنا أنا وهو نتشارك غرفة التدريسيين نفسها. جاء رجال الأمن للقسم وتحدثوا للأعسمبموضوع يتعلق بالطالب منذر جلوب – كانت طريقة عمل أجهزة الأمن أنهم يأتمرون بأمر الحزب، فالحزب في نهاية المطاف هو الذي يحكم البلد وهو المؤسسة الأمنية الأكبر–، ودار الحديث مع الأعسم عنك إذ لابد أن يكون الحزب ممثلا فيه موافقا على الاعتقال، عندها سمعت الأعسم يقول لهم (والحديث للسيدة الفاضلة): لا… لا… هذا خوش ولد، وما عنده شي، وطالب كلش مجتهد، آني زين أعرفه، ومتأكد منه، وراح أسويه بعثي… هاي شنوو…. أصلا هذا يفيد الحزب والثورة، بس هو مطول لحيته لأن صديقته تكله لحيتك حلوة)). (كانت اللحية في الثمانينات في سنوات الحرب مع إيران التي يحكمها ملتحون يريدون تصدير ثورتهم للعراق واسقاط نظامه، علامة أولية على تعاطف صاحبها مع الأعداء) ثم (تكمل السيدة حديثها) وقع لهم على أوراق بأيديهم وذهبوا من القسم.
عند سماعي لهذه المعلومة اختنقنت من الشعور بالعار الذي انتابني، كم شعرت بالخزي أمام نفسي وأمام الله؟ كم من الممكن أن نكون مخطئين؟ وكم كان كثيفا ذلك الدخان الذي لف الحقائق؟ كم أشعر الآن بالأسى والرغبة بالبكاء إذ أتذكر أني كنت أكره شخصا وأتمنى له الموت الشنيع، وهو نفسه الذي حماني من دون مقابل ومن دون تبجح ولم يخبرني بموقفه ذاك، ولم يعلم أن شخصا ما أخبرني، حتى مماته؟
لقد كانت في نفسه قوة كبيرة لا يحتاج معها أن يقول أحد عنه (خوش آدمي).
ذلك هو البعثي الذي أحببته، والذي انزوى بعد السقوط محافظا على كرامته إذ أدرك أن الزمان دار، ولم تكن فيه مهانة الصغار الراكبين كل موجة فعادوا إلى الجامعات أساتذة متمرسين بكتابة التقارير والرقص على كل أنواع الأناشيد سواء أكانت لقادسية صدام أو لمعركة كربلاء، لا فرق عندهم.
