الحياد الإيجابي خيار لحماية الاستقرار في إقلیم کوردستان وسط عواصف المنطقة

د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانيا

في لحظة إقليمية تتسم بقدر كبير من السيولة الاستراتيجية، حيث تتقاطع خطوط التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وتتشكل خرائط القوة من جديد، يجد إقليم كوردستان نفسه أمام معادلة دقيقة، كيف يمكن لكيان سياسي فيدرالي داخل دولة ما زالت تبحث عن توازنها أن يحافظ على استقراره في قلب بيئة جيوسياسية تتسم بعدم اليقين؟ في مثل هذه اللحظات لا يكون الحياد مجرد موقف سياسي عابر، بل يتحول إلى خيار استراتيجي واع يمكن وصفه بما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الحياد الإيجابي»، أي الحياد الذي لا يعني الانسحاب من العالم، بل إدارة العلاقات والصراعات بطريقة تمنع الانجرار إلى حروب الآخرين وتحافظ في الوقت نفسه على المصالح الحيوية.
هذا الخيار الذي تتبناه القيادة السياسية في إقليم كوردستان اليوم يعكس إدراكاً لطبيعة موقع الإقليم داخل المنظومة الدولية والإقليمية. فالإقليم، رغم ما حققه من تجربة سياسية واقتصادية منذ عام 2003، يبقى كياناً محدود الموارد العسكرية ومحاطاً بدول ذات وزن استراتيجي كبير. ومن هنا فإن منطق السياسة الواقعية، كما صاغه مفكرون مثل Hans Morgenthau، يفرض قاعدة أساسية في العلاقات الدولية تقول بأن الكيانات الواقعة في مناطق التماس الجيوسياسي لا تستطيع البقاء إلا إذا أدارت توازناتها بدقة بين القوى الأكبر منها، فجوهر السياسة هو إدارة القوة والقيود في آن واحد.

الحياد الذي يسعى إليه إقليم كوردستان لا يقوم فقط على حسابات القوة، بل على محاولة حماية تجربة سياسية تشكلت عبر عقود من التضحيات. فالتاريخ الكوردستاني مثقل بالمآسي والتحولات، من مأساة حلبجة إلى حملات الأنفال والتبعيذ و التهجير القسري، وهي أحداث لم تكن مجرد فصول من العنف السياسي بل لحظات تأسيسية في الوعي الجمعي الكوردي. غير أن هذه التجربة لم تنتج نزعة انتقامية بقدر ما أنتجت ميلاً واضحاً نحو الاستقرار وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التعايش.
في هذا السياق تبدو فكرة الحياد قريبة مما أشار إليه الفيلسوف السياسي Thomas Hobbes في كتابه Leviathan حين تحدث عن حاجة المجتمعات إلى سلطة تمنع عودتها إلى «حالة الحرب». فالمجتمعات التي عرفت الفوضى والعنف لفترات طويلة تصبح أكثر ميلاً إلى البحث عن الاستقرار باعتباره القيمة السياسية العليا. وربما لهذا السبب تتعامل القيادة في الإقليم مع الاستقرار بوصفه خياراً استراتيجياً يضمن بقاء الكيان السياسي نفسه.
غير أن الحياد في الشرق الأوسط ليس مهمة سهلة. فقد أشار Henry Kissinger إلى أن المناطق الواقعة بين مراكز القوى الكبرى غالباً ما تتحول إلى ساحات تنافس بسبب موقعها في معادلات التوازن الإقليمي. ومن هذا المنظور يمكن فهم التحدي الذي يواجه إقليم كوردستان اليوم: كيف يمكن الحفاظ على موقعه كمساحة للاستقرار دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.

مع ذلك، فإن اختيار الحياد لا يعني التخلي عن الدور الإقليمي أو الدولي. فالإقليم خلال العقد الماضي أثبت قدرته على لعب دور أمني مهم، خصوصاً خلال الحرب ضد تنظيم داعش عام 2014. عندما انهارت قطعات عسكرية عراقية أمام تقدم التنظيم، كانت قوات البيشمرگة من أوائل القوى التي تصدت له، ليس دفاعاً عن مدن الإقليم فحسب بل عن العراق والمنطقة والإنسانیة جمعاء. وقد شاركت قوات البیشمرگة في عمليات مشتركة مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ما جعل الإقليم شريكاً أساسياً في الحرب ضد الإرهاب، ومنحه رصيداً سياسياً داخل النظام الدولي كعامل استقرار في منطقة مضطربة.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية يمكن النظر إلى هذه التجربة باعتبارها مثالاً على ما يسمى «الدور الوظيفي» للكيانات الصغيرة في النظام الدولي؛ أي قدرتها على اكتساب شرعية وتأثير عبر أداء أدوار تخدم الاستقرار الدولي. وهنا تتقاطع التجربة الكردستانية مع فكرة طرحها الفيلسوف السياسي John Stuart Mill حين أكد أن شرعية الأنظمة السياسية لا تبنى فقط على القوة، بل على قدرتها على حماية المجتمع وتحقيق المنفعة العامة.

كما أن الحياد الكوردستاني يتأثر بعوامل تاريخية واجتماعية. فإيران ليست مجرد دولة مجاورة في الحسابات الجيوسياسية، بل كانت في مراحل تاريخية ملاذاً لآلاف اللاجئين الكورد خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وفي العلاقات الدولية تلعب الذاكرة التاريخية دوراً مهماً في تشكيل ما يسميه بعض المنظرين «الرصيد الرمزي» بين المجتمعات والدول.
إلى جانب ذلك، يدرك صانع القرار في الإقليم أن حجم الصراع الدائر حالياً يتجاوز قدراته العسكرية والسياسية، وأن الدخول فيه قد يجر المنطقة إلى تداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة. ومن هنا يبدو الحياد ليس فقط خياراً أخلاقياً بل خياراً عقلانياً أيضاً يعكس ما يمكن تسميته في الفكر السياسي «عقلانية البقاء»، أي تغليب الحفاظ على الكيان السياسي على المغامرات الجيوسياسية.

في نهاية المطاف يمكن النظر إلى تجربة إقليم كوردستان اليوم بوصفها محاولة لصياغة نموذج سياسي مختلف في منطقة اعتادت أن تدار بمنطق الصراعات الصفرية. فبدلاً من الانخراط في حروب الآخرين، يسعى الإقليم إلى ترسيخ فكرة أن الاستقرار يمكن أن يكون مشروعاً سياسياً بحد ذاته. وربما هنا يلتقي هذا المسار مع الفكرة التي طرحها الفيلسوف Immanuel Kant في مشروعه «السلام الدائم»، حين افترض أن المجتمعات التي تبني مؤسسات مستقرة وتفضل التعاون على الصراع تكون أكثر قدرة على تجنب الحروب.
ومع ذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع إقليم كوردستان الاستمرار كمساحة نسبية من الاستقرار في بحر من الأزمات، أم أن ضغوط الجغرافيا السياسية ستدفعه مرة أخرى إلى قلب العواصف الإقليمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الإقليم وحده، بل ستكشف أيضاً ما إذا كان الشرق الأوسط قادراً على حماية مساحات الاستقرار القليلة فيه، أم أنه سيواصل دفعها إلى قلب صراعات لا تنتهي.

قد يعجبك ايضا