الضعف والتداعي الذي اصاب جسد اليسار

نبيل عبد الأمير الربيعي

الضعف والتداعي الذي اصاب اليسار في العراق واليسار العربي ما هو إلا ثمرة للانحدار العام في السياسات العراقية والعربية، حيث لا نجد اليوم في أي مكان من العالم العربي سماء مفتوحة أو جواً نقياً، أو حرية حقيقية تسمح بأي تنظيم او تعبير عن الرأي أو الافضليات.
ويرجع السبب في تداعي اليسار في العراق إلى عدم قدرتهم على ترجمة الدعم الجماهيري، الذي كانوا يحظون به في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات إلى مكاسب سياسية راسخه، وهذا أمر يمكن رد سببه جزئياً إلى تمثيلهم الضعيف نسبياً، أو عدم رسوخ قدمهم إلى تبعية وخضوع مسلكهم المتطلبات السياسة السوفيتية معظم الوقت من ناحية ثانية.
والحديث عن تداعي اليسار العربي عموماً، واليسار العراقي خصوصاً، بوصفه نتيجة الانحدار العام في البيئة السياسية، يبقى تفسيراً جزئياً. فالانحدار السياسي لم يكن سياقاً محايداً، بل كان في جوهره نتاج صراع دموي على السلطة، وانقلابات عسكرية متعاقبة، وصعود أنظمة أحادية لم تترك مجالاً لأي تعددية حقيقية. في بيئة كهذه، لا يتراجع تيار بعينه بقدر ما تُجهض الحياة السياسية برمّتها.
القول عن مرحلة الخمسينات والستينات نفسها كانت قصيرة، مضطربة، ومفتوحة على صراعات إقليمية ودولية محتدمة. إن انقلاب 1963 وما أعقبه من قمع دموي، لم يكن نتيجة ضعف تنظيمي بقدر ما كان تعبيراً عن صراع إرادات داخل الدولة والمجتمع، استخدمت فيه أدوات العنف المفرط لتصفية خصوم سياسيين. فضلاً عن تحميل الضحية كامل مسؤولية الإقصاء يختزل معادلة القوة اختزالاً مخلّاً.
في ما يخصّ التبعية للسياسة السوفيتية، لا يمكن إنكار أثر الاستقطاب الدولي في سلوك كثير من الأحزاب الشيوعية العربية، لكن اختزال تجربتها كلها في عامل التبعية يتجاهل خصوصية السياق المحلي. لقد تشكّل اليسار العراقي من رحم واقع اجتماعي شديد التفاوت، ومن حراك عمالي وطلابي ونقابي حقيقي. ومن الظلم الفكري أن تُمحى هذه الجذور المحلية لصالح تفسير خارجي أحادي البعد.
إن تداعي التنظيم الشيوعيين في العراق لا يمكن رده إلى سببٍ واحد، ولا إلى قصور ذاتي صرف، ولا إلى مؤامرة خارجية خالصة. بل هو نتاج تفاعل معقد بين بنية دولة عسكرية، وصراعات أيديولوجية عالمية، وأخطاء داخلية، وتحولات اجتماعية عميقة. والتاريخ الرصين لا يُكتب بلغة التبرئة المطلقة ولا بلغة الإدانة الشاملة، بل بمنهجٍ يعترف بالتعقيد، ويزن الوقائع بميزان السياق لا بميزان النتيجة.
فاليسار، في جوهره، ليس مجرد خطاب اجتماعي، بل رؤية شاملة للدولة والاقتصاد والعلاقة بين السلطة والمجتمع. وإذا كانت بعض هذه القيم قد تسربت إلى تيارات مختلفة، فهذا قد يُقرأ بوصفه دليلاً على تأثير الإرث اليساري نفسه، لا على اندثاره.
لا يمكن تفسير تداعي تيار سياسي بعامل ثقافي واحد، ولا اعتبار كل تحوّل في الخطاب العام ولادةً لتيار بديل مكتمل. التاريخ السياسي تحكمه شبكة معقدة من العوامل: بنية الدولة، الصراعات الدولية، الاقتصاد الريعي، هشاشة المجتمع المدني، وأخطاء الفاعلين أنفسهم. وأي قراءة رصينة ينبغي أن تُبقي هذا التعقيد حاضراً، بعيداً عن التبسيط أو الأحكام النهائية.
فالأحزاب الشيوعية في كلٍّ من العراق وسوريا ولبنان، سواء بقيادة خالد بكداش أو جورج حاوي، أو عزيز محمد نشأت في بيئات اجتماعية محددة، وارتبطت بحركات عمالية ونقابية وثقافية محلية. صحيح أن الارتباط بالاتحاد السوفيتي كان مؤثراً في خطابها وخياراتها، لكن اختزالها إلى مجرد امتداد خارجي يلغي بعدها الوطني والاجتماعي، ويغفل حقيقة أن زمن الحرب الباردة فرض على معظم الفاعلين السياسيين تموضعات دولية شبه قسرية.
إن النقاش حول تداعي اليسار العربي ينبغي ألا ينزلق إلى ثنائية تبسيطية: يسار تابع في مقابل حركة ثورية غير يسارية. الواقع أكثر تعقيداً. فقد تراجعت التنظيمات اليسارية التقليدية، نعم، لكن ذلك لا يعني زوال الأسئلة التي حملتها: سؤال العدالة، وسؤال توزيع الثروة، وسؤال تمكين الفئات المهمشة. وهذه الأسئلة، ما دامت قائمة في بنية المجتمع العربي، ستظل تفرز أشكالاً مختلفة من التعبير سواء حملت اسم اليسار أم تجاوزته إلى تسميات أخرى. بهذا المعنى، فإن تداعي التنظيم لا يعني أفول الفكرة، ولا غياب الفكرة يعني انعدام الحاجة التاريخية إليها.
في مسألة القوة التاريخية والأرقام؛ لا جدال في أن الشيوعيين في العراق والسودان شكّلوا في منتصف القرن العشرين قوى جماهيرية حقيقية. فالحزب الشيوعي العراقي، على سبيل المثال، بلغ ذروة تأثيره أواخر الخمسينيات، في سياق التحولات التي أعقبت ثورة 1958. غير أن الأرقام لا تكفي وحدها لقياس الرسوخ السياسي. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الانتشار الجماهيري لا يتحول تلقائياً إلى سلطة مستدامة، خصوصاً في أنظمة يغلب عليها الطابع العسكري أو الأبوي أو الريعي. القوة الاجتماعية شيء، وإمكانية تحويلها إلى مؤسسة سياسية مستقرة شيء آخر تماماً.

إن تداعي اليسار هو ثمرة الانحدار العام في السياسات العربية يحمل وجهاً من الصحة، لكنه يبقى تفسيراً دائرياً إذا لم يُفكَّك. فالانحدار السياسي نفسه نتاج صراعات بنيوية. الاقتصاد الريعي الذي يفكك الطبقات المنتجة ويحوّل المجتمع إلى متلقٍ للريع لا فاعل فيه، ثم الاستقطاب الدولي في زمن الحرب الباردة، الذي جعل المنطقة ساحة صراع بالوكالة.
في مثل هذا السياق، لم يكن التراجع حكراً على اليسار؛ بل طال الحياة الحزبية برمتها، وأصاب المجال العام بالتكلس. وعليه فإن تفسير تداعي تيارٍ بعينه بفساد المناخ العام لا يجيب عن السؤال كاملاً، بل ينقله إلى مستوى أعمق: لماذا عجزت البنى السياسية العربية عن إنتاج تعددية مستقرة؟
أما التداعي الحاد لأي حركة سياسية غالباً ما ينتج عن تضافر ثلاثة مستويات:
1- عوامل بنيوية خارجية: القمع، الإقصاء، التحولات الدولية (كأفول النموذج السوفيتي).
2- عوامل داخلية تنظيمية: الجمود الأيديولوجي، ضعف تجديد الخطاب، الانقسامات.
3- تحولات اجتماعية واقتصادية: تبدل البنية الطبقية، صعود الهويات الفرعية، تحولات سوق العمل والتعليم.
إغفال أحد هذه المستويات يُفضي إلى قراءة ناقصة. فاليسار لم يُقصَ فقط من الخارج، ولم يُخطئ فقط من الداخل؛ بل واجه عالماً تغيّر بسرعة أكبر من قدرته على التكيف.
أما بين الفكرة والتنظيم، حتى لو صحّ أن قوة اليسار الشيوعي أصبحت تاريخاً، فإن السؤال الأهم: هل انتهت القضايا التي حملها؟ إن مسألة العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة، وحقوق العمل، وتمثيل الفئات المهمشة، ما تزال حاضرة في بنية المجتمعات العربية. وقد تتخذ هذه المطالب أشكالاً جديدة، لا تحمل الاسم التقليدي الشيوعي، لكنها تعيد طرح الأسئلة ذاتها بلغة مختلفة.
إن تفسير تداعي الشيوعيين العراقيين خصوصاً أو اليسار العربي عموماً بوصفه نتيجة مباشرة للانحدار السياسي العام هو جزء من الحقيقة، لا كلها. فالتاريخ لا يتحرك بخط مستقيم من الصعود إلى الهبوط، بل بموجات من المدّ والجزر. وقد يتراجع تنظيم، لكن الأفكار التي عبّر عنها لا تختفي، بل تعيد تشكيل نفسها وفق شروط زمن جديد. والقراءة الرصينة هي التي ترى في الأفول مرحلةً من التحول، لا خاتمةً نهائية لمسار التاريخ.
إن المقارنة هنا يجب أن تُطرح: هل فشلت الأحزاب الأخرى في العراق لأنها ضعيفة جماهيرياً، أم لأن البنية السياسية ذاتها لم تكن تسمح بتجذر التعددية؟ إن اختزال المسألة في قصور حزبي يغفل طبيعة النظام السياسي الذي كان يعيد إنتاج الإقصاء بالقوة.
في مسألة التبعية لموسكو. لا يمكن إنكار أثر الارتباط الأيديولوجي والتنظيمي بالاتحاد السوفيتي في صياغة مواقف الشيوعيين العراقيين، لكن توصيف التجربة بكاملها بوصفها خضوعاً لإرادة خارجية يبقى تبسيطاً.
فمعظم حركات التحرر في القرن العشرين ارتبطت بمحاور دولية، سواء كانت سوفيتية أو غربية أو إقليمية. والاختلاف بين التجارب لا يُقاس فقط بدرجة الارتباط الخارجي، بل بمدى قدرتها على تكييف هذا الارتباط مع أولوياتها الوطنية.
إذن فالمشكلة أعمق من خطأ ولاء، إنها معضلة بنيوية في الفكر السياسي العربي الحديث: كيف توفّق بين المرجعية العابرة للحدود ومتطلبات الكيان الوطني؟ إن تداعي الشيوعيين في العراق لا يمكن تفسيره بعامل واحد، لا بضعف التمثيل العسكري، ولا بالتبعية لموسكو، ولا حتى بعجز تنظيمي صرف. بل هو نتاج تفاعل معقّد بين بنية دولة عسكرية، وسياق دولي استقطابي، وأخطاء داخلية، وتحولات اجتماعية عميقة.
والقراءة المنصفة للتاريخ لا تبرّئ التجربة من أخطائها، لكنها ترفض أيضاً تحميلها وحدها وزر بيئة سياسية لم تكن تسمح بنمو طبيعي لأي مشروع تعددي راسخ، وبروحٍ تحليلية متوازنة، تُقرّ بحدّة الصراع، لكنها تتحفّظ على تحميله وزر كل ما أعقبه من انقسامات عربية.
في توصيف الصراع، لا شكّ أن التنافس بين الشيوعيين من جهة، والتيار الناصري والقومي البعثي من جهة أخرى في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات كان من أبرز ملامح المرحلة. وقد تداخل فيه البعد الأيديولوجي مع حسابات السلطة ومع الاستقطاب الدولي في ذروة الحرب الباردة.
لا ريب أن العراق دفع ثمناً باهظاً لهذا الاحتدام، خصوصاً بعد انقلاب 1963م وما تلاه من موجات عنف وإقصاء. لكن الجروح التي أصابت المجتمع لم تكن ثمرة صراعٍ حزبي فحسب، بل نتيجة عسكرة السياسة وإدخال الجيش طرفاً حاسماً في الصراع الأيديولوجي.
إذا عدنا إلى التصفية الجسدية عام 1963م؛ إن ما جرى بعد انقلاب 1963م من حملات اعتقال وتعذيب وإعدامات طالت المئات بل الآلاف من الشيوعيين، يمثل واحدة من أكثر الصفحات دموية في التاريخ السياسي العراقي الحديث.
يمكن الطرح بهدوءٍ وتحليلٍ يتجاوز لغة الاتهام إلى فهم السياق التاريخي المركّب، في اختزال كارثة عام 1963م في سوء تقدير أو غباء قيادي يُغفل طبيعة اللحظة السياسية آنذاك. فالصراع لم يكن تنافساً حزبياً عادياً، بل مواجهة في مناخ انقلابي محتدم، حيث كانت أدوات القوة الفعلية بيد المؤسسة العسكرية إن عسكرة السياسة هي التي وضعت الأحزاب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التحول إلى قوة مسلحة، وإما التعرض للقمع. وهذه المعضلة لا تخص حزباً بعينه، بل تعكس خللاً بنيوياً في الدولة التي لم تحتمل التعددية السياسية.
القراءة الرصينة لا تُنكر الأخطاء، لكنها ترفض التبسيط. فالكارثة التي أصابت الشيوعيين عام 1963م لم تكن نتيجة غباء بقدر ما كانت نتيجة صراع سياسي جرى في دولة لم تعرف بعدُ قواعد التنافس السلمي.

قد يعجبك ايضا