صواريخ الشرق الأوسط وتريليونات الاقتصاد، حرب تهز العالم لكنها لا تكسر أمريكا

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المدن التي تُدمَّر، بل بعمق الزلازل الاقتصادية التي تُحدثها في النظام العالمي. وما جرى في الشرق الأوسط على خلفية التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحوّل بسرعة إلى حدث اقتصادي عالمي أعاد إرباك أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والتوازنات المالية. فهذه المنطقة، الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، ليست مجرد ساحة صراع سياسي، بل قلب أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي؛ إذ يمر عبرها جزء كبير من تجارة النفط والغاز والسلع الاستراتيجية.

تنتج منطقة الخليج وحدها ما يقارب 30 إلى 35 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية تقريبًا وهي قرابة 90 مليون برميل يوميا. ويُعد مضيق هرمز، الذي يقع في قلب التوتر الحالي، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يمر عبره ما بين 18 و20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية. ولذلك فالصراع الجاري اليوم في المنطقة لم يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل يكاد أن يخلق حالة ذعر في الأسواق العالمية تدفع المستثمرين وشركات الطاقة إلى رفع الأسعار تحسبًا لانقطاع الإمدادات.

ومع بداية التصعيد العسكري ارتفعت أسعار النفط في الأسواق العالمية بسرعة، حيث قفز سعر خام برنت في بعض التداولات إلى ما بين 95 و110 دولارات للبرميل بعد أن كان يدور حول 75 إلى 80 دولارًا قبل التصعيد. وتشير تقديرات مؤسسات مالية كبرى إلى أن السعر قد يصل إلى 120 أو حتى 130 دولارًا إذا توسعت الحرب أو تعرضت الإمدادات للاضطراب. ولإدراك حجم التأثير الاقتصادي لذلك يكفي أن نعلم أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل تعني إضافة نحو 350 مليار دولار سنويًا إلى فاتورة الطاقة العالمية.

وقد تبدو هذه الزيادة في ظاهرها رقمًا محدودًا، لكنها في الاقتصاد العالمي تعني مليارات الدولارات من الكلفة الإضافية يوميًا على الدول الصناعية. فالولايات المتحدة وحدها تستهلك قرابة 20 مليون برميل يوميًا، الصين قرابة 16 مليون برميل يوميا، ما يعني أن ارتفاع السعر بمقدار 20 دولارًا للبرميل قد يضيف نحو 400 مليون دولار يوميًا إلى فاتورة الطاقة الأمريكية.

وقد بدأت آثار هذه الزيادة تظهر مباشرة في الأسواق الأمريكية. ففي العديد من الولايات ارتفع متوسط سعر البنزين إلى ما بين 4 و5 دولارات للغالون، أي بزيادة 20 إلى 25 % مع تحذيرات من أنه قد يصل إلى مستويات أعلى إذا استمر التوتر العسكري أو توسعت الحرب. ويُعد ارتفاع البنزين في الولايات المتحدة أحد المؤشرات الاقتصادية الحساسة سياسيًا، لأنه يؤثر مباشرة على زيادة تكاليف النقل والشحن بما بين 4 و6%، وعلى الإنتاج وأسعار السلع الاستهلاكية، والمواصلات وخاصة قطاع الطيران.

وهنا يظهر التأثير الثاني الأكثر خطورة، التضخم. فقبل التصعيد العسكري كان التضخم في الولايات المتحدة قد بدأ يتراجع إلى حدود 3 إلى 3.3%. لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يضيف ما بين نصف نقطة مئوية إلى نقطة كاملة إلى معدل التضخم السنوي، ما قد يعيد التضخم إلى مستويات تتراوح بين 4 و5%. وهذا يعني

ارتفاع أسعار الفائدة، أي تباطئ النمو الاقتصادي، وزيادة كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد. وهكذا تبدأ الحلقة الاقتصادية المعقدة، ارتفاع الطاقة يؤدي إلى التضخم، والتضخم يدفع إلى رفع الفائدة، وارتفاع الفائدة يؤدي إلى تباطؤ النمو.

ومع تباطؤ النمو يبدأ تأثير ثالث بالظهور، وهو البطالة. فحتى الآن ما زال معدل البطالة في الولايات المتحدة منخفضًا نسبيًا عند حدود 3.8 إلى 4%. لكن إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع وتباطأ النشاط الاقتصادي، فقد يرتفع معدل البطالة إلى ما بين 4.5 و5.5%. وهذا يعني فقدان مئات آلاف الوظائف في قطاعات النقل والصناعة والخدمات اللوجستية، وربما في بعض قطاعات التكنولوجيا التي تعتمد على التجارة العالمية وسلاسل التوريد.

أما التجارة العالمية، فهي الضحية الصامتة الأخرى لهذا الصراع. فالاقتصاد الأمريكي مرتبط بشبكة تجارة عالمية تتجاوز قيمتها خمس تريليونات دولار سنويًا بين صادرات وواردات. وتعتمد هذه التجارة على ممرات بحرية تمر عبر الشرق الأوسط، وخاصة مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس. وعندما ترتفع المخاطر الأمنية في هذه الممرات ترتفع معها تكاليف التأمين والشحن البحري. وقد شهدت بعض السفن التجارية ارتفاعًا في تكاليف التأمين بنسبة وصلت إلى 200 أو حتى 300%. وزيادة تكاليف الشحن بنسبة قد تصل إلى 30 أو 40%.

لكن التأثير لم يقتصر على النفط وحده، بل امتد إلى الغاز الطبيعي أيضًا. فالسوق الأوروبية التي كانت قد دخلت بالفعل في أزمة طاقة بعد الحرب في أوكرانيا، أصبحت أكثر هشاشة مع أي اضطراب جديد في الشرق الأوسط. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما يزيد على 80% من احتياجاته من الطاقة، ومعظم هذه الإمدادات تأتي من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والولايات المتحدة. لذلك فإن أي خلل في الإمدادات يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء في أوروبا، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في ارتفاع عقود الغاز في الأسواق الأوروبية بنسبة تراوحت بين 15 و25%.

أما في آسيا، فإن الاقتصاديات الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية تُعد من أكبر المستوردين للطاقة في العالم. فالصين وحدها تستورد ما يزيد على 11 مليون برميل من النفط يوميًا، يأتي جزء كبير منه من الخليج. ولذلك فإن أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع كبير في الأسعار ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الصناعي الصيني، وهو ما يهدد بدوره سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد عليها الصناعات الغربية.

وفي اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تعتمد الصناعات الثقيلة والبتروكيميائية على استيراد الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية للصادرات. ولهذا بدأت بعض الحكومات الآسيوية بالفعل في استخدام احتياطاتها الاستراتيجية من النفط لمحاولة تهدئة الأسواق.

إلى جانب الطاقة، تأثرت أيضًا أسواق المواد الأولية والمعادن. فالحروب في الشرق الأوسط تؤدي غالبًا إلى اضطراب في تجارة المعادن الاستراتيجية مثل الألومنيوم والنحاس والنيكل، التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية. وقد شهدت بعض هذه المعادن ارتفاعات ملحوظة في الأسعار نتيجة القلق من تعطل الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

كما تضررت صناعة النقل الجوي بشكل واضح. فمع إغلاق بعض المجالات الجوية أو ارتفاع المخاطر الأمنية، اضطرت شركات طيران عديدة إلى تغيير مسارات رحلاتها أو إلغائها. وقد أعلنت شركات في الشرق الأوسط وآسيا تقليص بعض الرحلات أو تعليقها مؤقتًا، في حين اضطرت شركات أخرى إلى اتخاذ طرق أطول لتجنب مناطق التوتر. وهذا يعني ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة والتأمين، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار التذاكر وحركة السياحة العالمية.

أما الاقتصاد الإيراني نفسه، الذي يعاني أصلًا من حصار اقتصادي شديد منذ سنوات، فقد دخل مع تصاعد التوتر العسكري مرحلة أكثر صعوبة وتعقيدًا. فقد أدت العقوبات الأمريكية خلال العقد الماضي إلى تقليص صادرات النفط الإيرانية من أكثر من 2.5 مليون برميل يوميًا قبل العقوبات إلى مستويات أقل بكثير في بعض الفترات، الأمر الذي حرم الاقتصاد الإيراني من أحد أهم مصادر دخله بالعملة الصعبة. ومع اندلاع المواجهة العسكرية وتزايد المخاطر الجيوسياسية، تصبح قدرة إيران على تصدير النفط أو التعامل مع النظام المالي العالمي أكثر تعقيدًا، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم الداخلي، ويزيد الضغط على العملة الإيرانية، ويعمّق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد أصلًا نتيجة سنوات طويلة من العقوبات والعزلة المالية.

غير أن المفارقة في مثل هذه الصراعات أن آثارها لا تبقى محصورة في حدود الدول المتحاربة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فالنظام الاقتصادي الدولي الذي يعتمد على استقرار الممرات البحرية وتدفق الطاقة بأسعار مقبولة بدأ يواجه موجة جديدة من عدم اليقين. وتشير تقديرات بعض المؤسسات الاقتصادية إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط قد يضيف ما بين 0.5 و1% إلى معدل التضخم العالمي خلال عام واحد فقط، وهو ما يعني زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتجارة في معظم اقتصادات العالم، من آسيا إلى أوروبا والأمريكيتين.

ومع ذلك، ورغم اتساع التأثيرات الاقتصادية للحرب على أسعار الطاقة والتجارة والنقل والتضخم، فإن الصورة الكلية للاقتصاد الأمريكي تبدو أقل دراماتيكية إذا قورنت بحجم هذا الاقتصاد الهائل، خاصة إذا ما قورنت بما قد يحدث في مناطق أخرى من العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط وإيران بشكل خاص، حيث ستكون الخسائر الاقتصادية والبنيوية أعمق بكثير نتيجة الدمار المباشر والعقوبات وتعطل الإنتاج. فحتى في السيناريوهات المتشائمة التي تجمع كلفة ارتفاع الطاقة وتباطؤ النمو وتكاليف العمليات العسكرية والخسائر في النقل والتجارة والاستثمار، فإن التقديرات الواسعة تشير إلى أن مجموع الأثر الاقتصادي على الولايات المتحدة قد يتراوح بين نحو 1 و2 تريليون دولار إذا استمر الصراع لفترة طويلة. ورغم ضخامة هذا الرقم ظاهريًا، فإنه يبقى محدود التأثير مقارنة باقتصاد يتجاوز حجمه اليوم 27 تريليون دولار سنويًا.

وللمقارنة التاريخية، فقد قُدرت كلفة الأزمة المالية العالمية عام 2008 على الاقتصاد الأمريكي بما يقارب 4 إلى 5 تريليونات دولار نتيجة انهيار الأسواق المالية والعقارية وفقدان ملايين الوظائف، كما أن جائحة كورونا كلفت الاقتصاد الأمريكي أكثر من 7 تريليونات دولار بين خسائر اقتصادية مباشرة وبرامج تحفيز حكومية ضخمة لإنقاذ الأسواق والشركات. ومع ذلك تمكن الاقتصاد الأمريكي من تجاوز تلك الصدمات الكبرى واستعادة نموه تدريجيًا. وبناءً على هذه المقارنة، فإن الخسائر المحتملة للحرب، حتى لو اقتربت من تريليوني دولار، تبقى أقرب إلى دورة ركود اقتصادي أو تباطؤ مرحلي شبيه بما يمر به الاقتصاد العالمي دوريًا، أكثر من كونها أزمة قادرة على زعزعة الأسس العميقة للاقتصاد الأمريكي.

وهكذا تتحول الحرب في الشرق الأوسط من مجرد صراع جيوسياسي إلى أزمة اقتصادية عالمية تتشابك آثارها في أسواق الطاقة والتجارة والمال. فكل صاروخ يُطلق في هذه المنطقة لا يهز فقط التوازن العسكري، بل يترك أثره أيضًا في أسعار النفط، وفي البورصات، وفي شبكات التجارة العالمية. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي اليوم لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب، بل كم سيكلف هذا الصراع العالم بأسره، وما إذا كان الاقتصاد العالمي قادرًا على تحمّل موجة جديدة من الأزمات في زمن لم يتعافَ بعد من آثار الأوبئة والحروب السابقة.

قد يعجبك ايضا