شهدت حقوق الإنسان في العصر الحديث نهضة كبيرة بفضل عوامل كثيرة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية. خاصة بعد ظهور الثورة الصناعية وما رافقها من استكشاف جغرافي، واتساع التجارة ونمو المدن وتطورها ، وظهور الطبقة الوسطى ونموها وما لعبته من دور كبير في حياة المجتمعات الأوربية ومناصرتها لحقوق الأنسانوحرياته والدفاع عنها. كما شهد التاريخ أكثر الثورات التحررية، وبروز فالسفة ومفكرين في أوروبا أمثال توماس هوبز ، وجون لوك ،وجان جاك روسو وهم من مفكري نظرية العقد الاجتماعي التي تؤكد على تقييد سلطة الملوك للحيلولة دون الاستبداد، ووسيلة للمطالبة بالحقوق الطبيعية للأفراد وحرياتهم العامة من منطلق بأن الإنسان حقوق طبيعية ولدت منذ نشأته أي منذ عهد الفطرة الأولى والتي سبقت القانون في وجودها. وبمعنى آخر ليس القانون هو أساس الحق، بل الحق هو أساس القانون، وما على القانون الحماية هذا
الحق. إضافة الى ما جاء به عالم الاجتماع الفرنسي مونتسكيو الذي درس كل الجوانب السياسية والاقتصادية الفرنسية في حياة عصره ووضعها في كتابه ( روح القوانين ) الذي كان أشهر مؤلفاته ونشر في جنيف عام 1748 وانتقد فيه بشدة الحكم المطلق ومعتبرا الملكية الدستورية أفضل أشكال الحكم وعلى أساس نظرية فصل السلطات، وأن العدالة والقانون هما جزء الذي يمكن فصلهما عن طبيعة الأشياء، وأفكاره هذه قد مهدت للثورة
الفرنسية عام 1789 وأثرت أيضا في دستور فرنسا عام 1791 في تثبيت حقوق الإنسان وحرياته الأساسية . ومن الأحداث الأخرى التي شهدها الغرب ودورها الكبير في التطور والتحول في مجال حقوق الإنسان هو ما جاءت به الثورة الأمريكية وإعلان وثيقة الاستقلال عام 1776 عن المستعمر الإنكليزي، وجاء في محتوى هذه الوثيقة) إننا نعتبر الحقائق
الآتية من البديهيات : خلق الناس جميعا متساوون وقد منحهم الخالق حقوقا خاصة ال تنتزع منها الحياة والحرية والسعي لنيل السعادة، ولتأمين هذه الحقوق تكونت من الناس حكومات تستمد سلطانها العادل من رضى الشعب المحكوم، فاذا قامت أي حكومة لتقضي على هذه الغايات أصبح من حق الشعب أن يستبدلها أو يلغيها وان يقيم مكانها حكومة جديدة تعتمد
على إساس من المبادئ والأنظمة التي يراها أفضل وأصلح في حماية سالمته وسعادته. كما جاءت الثورة الفرنسية ضد الحكم الإمبراطوري ، وإعلان حقوق اإلنسان والمواطن في عام 1789
واستناده على ثالثة مبادئ أساسية ( الحرية ـ المساواة ـ الآخاء ). كما جاءت عبارة حقوق الإنسان في عنوان الإعلان الفرنسي أو في مقدمته ( ان تجاهل أو نسيان أو احتقار حقوق الإنسان هي الأسباب الوحيدة للمصائب العامة ولفساد الحكومات) . وعلى أثر ما شهده العالم في النصف الأول من القرن العشرين من حربين عالميتين عام 1914و 1939
وما تخللهما من دمار ومآسي لدول وشعوب والضحايا سواء كانوا من القتلى أم من الجرحى المدنيين والعسكريين واستخدام أسلحة الدمار الشامل كما حدث في اليابان بضرب مدينتي هورشيما ونكازاكيبالقنابل النووية عام 1945 والتي كان من نتائج هذه الحروب إدراك العالم لحقيقة حقوق الإنسان وما تعرضت له من انتهاكات دفعت المجتمع الدولي الى وضع حد لهذه الانتهاكات وحماية حقوق الإنسانعالميا من خلال تأسيس منظمة الأمم المتحدة والتوقيع على ميثاقها عام 1945 والذي جاء في مقدمته (نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويالت الحرب.. وان يبين الأحوالالتي في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون .
ولم يقتصر نشاط لجنة حقوق الأنسان العاملة ضمن إطار األمم المتحدة وضمن حدودا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، بل أصبحت هناك قناعة عامة بضرورة وضع اتفاقية أو ميثاق ملزم بدآ من الإعلان كونه غير ملزم أو أنه يفتقر الى الإلزام القانوني. فتم الاتفاق في عام1966
على وضع وثيقتين دوليتين يترك للدول حرية الانضمام لكليهما أو ألحدهما وأطلق على الوثيقة الأولى بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وأصبح نافذ المفعول /3/23 1976 ، وتضمن هذا العهد آلية محددة لمراقبة إلتزام الدول بنصوص العهد، وإنشاء لجنة سميت (اللجنة المعنية بحقوق الإنسان) مكونة من (18) عضوا يتم انتخابهملمدة 4 سنوات من بين الدول الاطراف وتتعهد تلك الدول بتقديم تقرير الى اللجنة خلال سنة من
بدأ نفاذ العهد يتضمن التدابير التي اتخذتها الدول إعمال بحقوق الإنسان .أما الوثيقة الثانية سميت بالعهد الدولي للحقوق الاقتصاديةوالاجتماعية والثقافية وأصبح نافذ المفعول.
ولعل ما يميز الاعتراف الدولي المعاصر بحقوق الإنسان نتيجة ما يتضمنه من الأهداف الإنسانية والاجتماعية التي أنشئت من أجلها منظمات ومفوضيات تعمل في إطار الأمم المتحدة ، منها مفوضية األممالمتحدة لشؤون اللاجئين عام 1951 بهدف توفير الحماية الدولية تحت رعاية الأمم المتحدة للاجئين الذين يدخلون في اختصاصها . كما أن وجود منظمة العمل الدولية الذي يعترف دستورها بأن العمل ليس سلعة ، وانما من حق جميع
البشر بصرف النظر عن العرق او العقيدة او الجنس بالسعي نحو رفاهيتهم المادية وتكافؤ الفرص. كما الغرض من وجود منظمة اليونسكو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ومساهمتها في تحقيق السلم والأمن عن طريق التربية والعلم والثقافة، وكذلك توثيق آفاق التعاون بين الأمم لضمان الاحترام الشامل للعدالة والقانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية وفق ما جاء بميثاق الأمم المتحدة .