الكاميرات زووم

د. جليل وادي

بصراحة هناك خلل واضح في منظومتنا الأخلاقية،ومشكلة واضحة في عملنا التربوي، أي اهتزازمخيف في القيم، وانهيار مريع في التنشئة، ولا أظنالشباب مسؤولين عن سلوكهم، بقدر مسؤولية وكالاتالتنشئة الاجتماعية المتمثلة في المدرسة والمؤسسةالدينية ووسائل الاعلام، ويبدو ان هذه الوكالات ماعادت تنظر لأدوارها على انها عمل رسالي

يندر أن تمشي فتاة في أسواقنا بمفردها او مععائلتها من دون أن تتعرض للمضايقات بالنظر اوبطرق أخرى قبيحة، حتى يُحار أصحاب العوائل فيكيفية التعامل مع هذه المضايقات. وكثيرا ما تتعرضالفتيات اللواتي يقُدن المركبات الى مضايقات مننوع آخر، ومن تلك المضايقات ما يؤدي الى وقوعحوادث يسقط فيها ضحايا.

وتحاشيا لهذه المضايقات تلجأ غالبية الفتيات الىاغلاق صفحاتهن في مواقع التواصل الاجتماعيبإحكام شديد تسد فيه جميع الطرق التي يمكن أنيتسلل منها الى صفحاتهن أي متطفل او سيءأخلاق، وربما تستغرب الأمر أشد الغرابة ان رأيتفتاة وقد نشرت صورها الحقيقية على حسابهاتحسبا من أولئك الذين تعرفون، ويأتي بعضا منهخضوعا للعادات والتقاليد التي ترى في ذلك عيبا،او احتمال استخدامها بما يشكل مساسا بشرفالعائلة، هذا التحسب هو الغالب، طبعا استخداماتالفتيات لمواقع التواصل الاجتماعي يطول الحديثعنه، وما يهمني هنا هو حجم المضايقات التييتعرضن لها.

وقياسا بعدد الشهادات الجامعية، الأولية منهاوالعليا والتي بلغت أعدادها من الكثرة بحيث تعجزالحكومة عن ايجاد فرص عمل للكثير منها، فانمجتمعنا وفقا لذلك يحسب على المجتمعات المتنورةالتي يفترض أن تخلو من الظواهر السلبية التيذكرتها، أليس الثقافة تطّهر النفوس من السلوكالبذيء، وان الحصيلة العلمية ترتقي بالإنسان لما هوأفضل، فلماذا تحدث هذه الظواهر، فهل ما حصلناعليه من شهادات كانت شكلية وتفتقر الى المحتوىالتربوي الحقيقي؟، وهنا نعيد ذات السؤال ماذا كانيفعل المعلمون، وماهي التأثيرات التي حققوها فينفوس الطلبة وعقولهم؟، والجواب لديكم أيضا.

لقد أتيحت لي أكثر من فرصة لزيارة بلدان اسلامية،عربية وأجنبية، وبعض هذه البلدان مختلفة فيجوانب عديدة وأولها مستوى الحرية الاجتماعية،فالحرية الاجتماعية المتاحة في بعضها واسعة جدابحيث تجعلك تتساءل كيف استوعبتها هذهالمجتمعات، وبصرف النظر عن وجهات نظرنا بها،المتفقة منها والمتعارضة، لكني أقول ان مجتمعنابحاجة الى عقود عديدة من الزمن للوصول الى هذاالمستوى من الحرية التي تنتمي في جوهرها للغربأكثر من انتمائها للشرق، وأشك في وصولنا اليها،ومع ذلك لم تصادفني مضايقات بالنظر او بغيره منالشباب ازاء الفتيات، وحال الفتيات في الشوارعوالكازينوهات والمركبات بمستوى من الاسترخاءلافت، ويقترب حضورهن الاجتماعي من الحضورالذكوري، ان لم يتفوق عليه أحيانا.

كما لم تصادفني مثل هذه المضايقات في بلداناسلامية متحفظة، أي أن مستوى الحرية الاجتماعيةفيها لا يخرج عن اطار الطابع الاسلامي المتعارفعليه، ولا يمكن مقارنتها بحال مع النموذج السابقالمنفتح، بالتأكيد ليس هناك مجتمعا مثاليا بالمطلق،ولكن تبقى المضايقات فيها حالات محدودة ولا ترقىأن تكون ظاهرة، وهنا أتساءل: كيف انخفض السلوكغير المرغوب به في تلك البلدان، بينما هو في ازديادمتواصل لدينا، وكأن شبابنا لم يروا في حياتهمنساء، وان عيونهم لم تشبع، وبعضها كنظرات وحشالى فريسة، وجميعها بلا حياء حتى وان تلاقتنظراتهم مع نظرات الآباء الحائرين.

بصراحة هناك خلل واضح في منظومتنا الأخلاقية،ومشكلة واضحة في عملنا التربوي، أي اهتزازمخيف في القيم، وانهيار مريع في التنشئة، ولا أظنالشباب مسؤولين عن سلوكهم، بقدر مسؤولية وكالاتالتنشئة الاجتماعية المتمثلة في المدرسة والمؤسسةالدينية ووسائل الاعلام، ويبدو ان هذه الوكالات ماعادت تنظر لأدوارها على انها عمل رسالي، بل مهمةروتينية ليس فيها مهما سوى ما يتحقق للعاملين فيهامن فوائد خاصة، راقبوا أسواقنا وسترون انالكاميرات زووم.

قد يعجبك ايضا