نساء زاگروس

سمير ميراني

في تاريخ الإنسان كثيراً ما تُروى الحكايات بصوت السيوف، بينما تمر القوى الهادئة في صمتٍ عميق، لكن الحضارات في حقيقتها لا تقوم على الضجيج وحده، إنها تُبنى أيضاً على الذاكرة، وعلى الحكمة التي تنتقل بين الأجيال، وعلى الأرواح التي تحرس معنى الحياة، وفي هذا العمق الخفي كانت المرأة، منذ فجر التاريخ، حضوراً لا يقل قوة عن الملوك والمحاربين.
في جبال زاگروس القديمة، حيث عاشت شعوب الميديين والميتانيين واللولبيين، تظهر أسماء نساء كأنها ومضات في ليل الأزمنة البعيدة، ومضات تكشف أن التاريخ لم يكن يوماً حكاية رجال فقط، فكانت أميتيس ابنة الجبال، تحمل في قلبها صورة الطبيعة الأولى ، ويقال إن حنينها إلى موطنها كان قوياً إلى حد أن حدائق كاملة -كحدائق بابل المعلقة – شُيدت لتخفف عنها غربة القصور، في قصتها يصبح الحنين نفسه قوة خفية، قادرة على أن تغير شكل المدن.
ثم تقف ماندانا في هدوء التاريخ، امرأة لم ترفع سيفاً لكنها أنجبت مستقبلاً، فمن بين يديها خرج قائد سيغير مسار العالم القديم، وكأن التاريخ قبل أن يُكتب في ميادين السلطة، يبدأ أحياناً في حضن أم.
أما تادوخيبا، الأميرة الميتانية، فقد جسدت نوعاً آخر من القوة، قوة الحكمة والربط بين العوالم، ففي زمنٍ كانت الممالك تتحدث بلغة الحرب، كانت الرسائل والتحالفات لغة أخرى للمصير، وكانت المرأة جزءاً من هذه الدبلوماسية الهادئة التي تحرّك التاريخ من خلف ستاره.
لكن حين يصبح الدفاع عن الأرض ضرورة، تظهر شخصيات مثل توميريس، ملكة واجهت إمبراطورية عظيمة بشجاعة لا تقل عن شجاعة أعظم القادة، في قصتها يتضح أن الشجاعة ليست صفة تخص جنساً دون آخر، بل موقف إنساني حين يصل التاريخ إلى لحظته الحاسمة.
وبالقرب من هذه الصورة تبرز زرينايا ( زارينا)، الملكة التي تحدثت عنها الروايات القديمة بوصفها إمرأة تجمع بين الحُسن والحكمة وقوة القيادة، في شخصيتها يبدو الحكم أقرب إلى فن إنساني، حيث تُقاس القوة بقدرة القائد على جمع الناس حوله لا إخضاعهم.
حين نجمع هذه الأسماء معاً-أميتيس، ماندانا، تادوخيبا، توميريس، زرينايا- ندرك أن التاريخ يشبه نهراً عظيماً، قد تبدو أمواجه في السطح صاخبة، لكن عمقه الحقيقي يتشكل من تيارات هادئة لا تُرى بسهولة، ولعل المرأة كانت واحدة من تلك التيارات العميقة، لم تكن حضورها دائماً في الصفحات الأولى من كتب التاريخ، لكنه كان حاضراً في اللحظات التي تشكل فيها مصير الشعوب.
ولهذا حين يأتي الثامن من مارس، يوم المرأة العالمي، لا يبدو كأنه احتفاءً عابراً بيوم في التقويم، بل تذكيرٌ بذاكرة أقدم بكثير، ذاكرة تقول إن المرأة لم تدخل التاريخ متأخرة، بل كانت منذ بداياته الأولى شريكة في كتابته.
فالزمن قد يغير الممالك والحدود، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثر أولئك الذين عاشوا بعمق في مجرى التاريخ، والمرأة منذ البداية، كانت واحدة من هؤلاء.. تكتب التاريخ بهدوء، لكن بخلود.

قد يعجبك ايضا