سالي علي
ليست المشكلة في الشرق الأوسط أن الكورد يمتلكون قوة عسكرية استثنائية، ولا أنهم يفرضون أنفسهم على خرائط المنطقة بالقوة، بل إن مجرد حضورهم السياسي أصبح يثير قلقًا ملحوظًا لدى عدد من دول المنطقة. هذا القلق لا يرتبط بحدث عابر أو ظرف سياسي مؤقت، بل بجذور تاريخية وجغرافية تشكلت منذ إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى.
القضية الكوردية، في جوهرها، ليست قضية داخل حدود دولة واحدة. فالشعب الكوردي موزع جغرافيًا بين عدة دول رئيسية، أبرزها تركيا وإيران والعراق وسوريا. ولهذا السبب تحديدًا، فإن أي تطور سياسي أو إداري في منطقة كوردية داخل إحدى هذه الدول غالبًا ما يُنظر إليه من قبل الدول الأخرى بوصفه سابقة قد تمتد آثارها إلى داخل حدودها.
هذا ما يفسر الحساسية التي تبديها بعض الحكومات تجاه أي مشروع كوردي، حتى لو كان ضمن إطار سياسي أو إداري محدود. فالمخاوف لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض في اللحظة الراهنة، بل بما قد يمثله ذلك من نموذج سياسي قابل للتكرار.
في العراق، مثلًا، حصل إقليم كوردستان على اعتراف دستوري بصفتها نموذجًا سياسيًا اتحاديًا يتمتع بصلاحيات واسعة ضمن الدولة العراقية. هذا النموذج، رغم ما يحيط به من توترات سياسية بين أربيل وبغداد، شكّل سابقة مهمة في المنطقة. فوجود إقليم يتمتع بحكم ذاتي فعلي داخل دولة شرق أوسطية فتح نقاشًا أوسع حول طبيعة الدولة المركزية وحدود السلطة المحلية.
لكن تأثير هذه التجربة لا يتوقف عند حدود العراق. فالدول المجاورة تنظر إلى هذا النموذج باعتباره سابقة سياسية قد تشجع مطالب مشابهة داخل حدودها، خصوصًا في الدول التي تضم مجتمعات كوردية كبيرة.
أما في إيران، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فطهران لا تتعامل مع الملف الكوردي بوصفه قضية داخلية فقط، بل كجزء من توازنات النفوذ الإقليمي. ومع تصاعد التوترات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ازداد التعامل مع هذا الملف من زاوية أمنية وسياسية في آن واحد.
وفي تركيا، تظل القضية الكوردية مرتبطة بشكل مباشر بمفهوم وحدة الدولة والأمن القومي. فأنقرة تنظر إلى أي حضور كوردي قوي في جوارها الجغرافي باعتباره تطورًا قد ينعكس على الداخل التركي، وهو ما يفسر تشددها الدائم تجاه أي تحولات سياسية أو عسكرية في المناطق الكوردية المجاورة.
أما في سوريا، فقد تحولت القضية الكوردية إلى جزء من معادلة الحرب منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية. ومع تعدد القوى المتدخلة في الصراع، لم يعد الملف الكوردي مرتبطًا فقط بالداخل السوري، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية.
في ضوء كل ذلك، يمكن فهم سبب الحساسية الكبيرة تجاه أي تحرك كوردي، حتى لو كان سياسيًا بحتًا. فالقضية لم تعد مجرد مطالب حقوقية داخل دولة بعينها، بل أصبحت ملفًا إقليميًا يرتبط بتوازنات السلطة، وبمخاوف الدول من تغير الخرائط السياسية التي استقرت منذ قرن تقريبًا.
ولهذا فإن ردود الفعل القوية التي تظهر أحيانًا تجاه أي تحرك كوردي لا تعكس فقط موقفًا من حدث معين، بل تعكس أيضًا الخوف من سابقة سياسية قد تعيد طرح أسئلة قديمة حول الهوية والحدود وشكل الدولة في الشرق الأوسط.