من التحالف إلى العداء؛ جذور الأزمة المزمنة بين واشنطن وطهران

ڤیان الشرفاني

تعد العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً وخطورة في التاريخ الحديث حيث تجاوزت هذه الخصومة حدود الخلاف الدبلوماسي التقليدي لتتحول إلى صراع وجودي واستراتيجي يؤثر بشكل مباشر على استقرار الشرق الأوسط والأمن العالمي بأكمله وإن فهم الأسباب التي دفعت بهذه العلاقة إلى هذا المستوى من التأزم يتطلب العودة إلى جذور تاريخية عميقة بدأت بذورها الأولى في عام 1953 عندما تدخلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الإطاحة بحكومة محمد مصدق وهو ما زرع أولى بذور الشك وعدم الثقة في الوجدان السياسي الإيراني تجاه واشنطن ولكن التحول الجذري الذي رسم ملامح العداء الحالي وقع في عام 1979 مع نجاح الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الشاه الذي كان يمثل الحليف الاستراتيجي الأبرز لأمريكا في المنطقة وما تلا ذلك من حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسياً كرهائن لمدة 444 يوماً وهي الحادثة التي ولدت جرحاً غائراً في الذاكرة السياسية الأمريكية لم يندمل حتى يومنا هذا وأصبحت حجر الزاوية في بناء السياسة العدائية المتبادلة بين الطرفين.
بعد انقطاع العلاقات الرسمية في عام 1980 دخلت المواجهة مرحلة جديدة من الصدام غير المباشر حيث دعمت واشنطن العراق في حربه ضد إيران التي استمرت ثماني سنوات وهو ما عزز قناعة طهران بأن الولايات المتحدة تسعى للقضاء على ثورتها بكافة الوسائل المتاحة ومع حلول فترة التسعينيات بدأت واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية صارمة كان أبرزها قانون العقوبات في عام 1996 الذي استهدف قطاع الطاقة الإيراني لتبدأ مرحلة خنق الاقتصاد كوسيلة للضغط السياسي ومع بداية القرن الحادي والعشرين وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001 تصاعدت النبرة العدائية بشكل غير مسبوق بعد أن أدرج الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إيران ضمن ما سماه محور الشر في عام 2002 لتنتقل المواجهة من الصعيد السياسي إلى الصعيد الأمني والوجودي خاصة مع بروز الملف النووي الإيراني في عام 2003 كأكبر تحدٍ يواجه المصالح الأمريكية وحلفاءها في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل حيث ترى واشنطن في امتلاك طهران للسلاح النووي تهديداً مباشراً لا يمكن السكوت عنه.
إن الصراع على النفوذ الإقليمي يمثل العمود الفقري لهذا التوتر المستمر فإيران ترى في الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والعراق وسوريا تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولذلك انتهجت استراتيجية الدفاع الهجومي عبر دعم فصائل مسلحة وحلفاء في لبنان وسوريا واليمن والعراق وهو ما تصفه واشنطن بـ زعزعة الاستقرار ودعم الإرهاب ومن جهة أخرى يرى القادة في طهران أن أمريكا هي الشيطان الأكبر الذي يسعى لتغيير نظام الحكم ومنع إيران من ممارسة دورها الطبيعي كقوة إقليمية كبرى وعلى الرغم من التوصل إلى الاتفاق النووي في عام 2015 الذي منح العالم بارقة أمل لإنهاء الأزمة إلا أن انسحاب الولايات المتحدة منه في عام 2018 بقرار من إدارة دونالد ترامب أعاد الأمور إلى نقطة الصفر بل وأسوأ من ذلك حيث تم اتباع سياسة الضغوط القصوى التي حرمت إيران من معظم وارداتها النفطية وأدخلت البلاد في أزمة معيشية خانقة مما دفع طهران للرد عبر استهداف المصالح الأمريكية والملاحة الدولية في مياه الخليج لزيادة كلفة الضغط عليها.
وصلت ذروة المواجهة العسكرية المباشرة في مطلع عام 2020 عندما أقدمت الولايات المتحدة على اغتيال الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد وهي العملية التي كادت أن تشعل حرباً إقليمية شاملة لولا ضبط النفس الذي تلا الرد الإيراني الصاروخي على قاعدة عين الأسد ومنذ ذلك الحين دخلت العلاقات في نفق مظلم من انعدام اليقين حيث فشلت كافة الجهود الدبلوماسية في عامي 2021 و 2022 لإحياء الاتفاق النووي بسبب الفجوة العميقة في مطالب الطرفين وانعدام الثقة المطلق ومع اندلاع الحروب الإقليمية الأخيرة في عامي 2024 و 2025 في غزة ولبنان وجدت إيران وأمريكا نفسيهما في مواجهة غير مسبوقة حيث تدعم واشنطن إسرائيل عسكرياً ومادياً بشكل مطلق بينما تقود إيران ما تسميه محور المقاومة مما جعل أي خطأ في الحسابات الميدانية يهدد بانفجار شامل لا يمكن السكوت عنه أو احتواؤه بسهولة.
إن وصول العلاقات إلى هذا المستوى المتردي في عام 2026 لم يكن وليد الصدفة بل هو نتاج تراكمي لنصف قرن من التآمر المتبادل والحروب بالوكالة وفشل لغة الحوار أمام لغة التهديد والعقوبات إن المشكلة الحقيقية تكمن في أن العداء لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر بل أصبح جزءاً من العقيدة السياسية والشرعية التي يرتكز عليها النظامان في واشنطن وطهران حيث يرى كل طرف في التراجع أمام الآخر انكساراً لإرادته الوطنية وهيبة دولته ومع غياب قنوات الاتصال المباشرة والاعتماد على الوسطاء تظل المنطقة رهينة لصراع القوى الكبرى الذي يهدد بحرق الأخضر واليابس إذا ما انزلقت الأمور نحو المواجهة المباشرة التي يخشاها الجميع ولكنهم يستعدون لها في آن واحد وبكل قوة إن المستقبل يبدو ضبابياً في ظل تمسك كل طرف بمواقفه المتصلبة مما يجعل من هذه الأزمة أطول وأعقد خصومة دولية شهدها العالم في العصر الحديث وهي خصومة لا يبدو أنها ستجد طريقاً للحل دون تغيير جذري في العقلية السياسية لكلا الطرفين أو وقوع حدث جلل يجبر الجميع على إعادة حساباتهم بشكل كامل.

قد يعجبك ايضا