الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي…….
في زمنٍ تضطرب فيه المنطقة، وتتعاظم فيه الصراعات الإقليمية والدولية، تصبح المواقف الواضحة والشجاعة معيارًا حقيقيًا لوزن القادة وقدرتهم على حماية شعوبهم. وفي خضم هذه العواصف السياسية والعسكرية، برز موقفٌ لافتٌ لقائدٍ يدرك معنى المسؤولية التاريخية، حين قال كلمته الواضحة: “لا”.
لقد شهدت الأشهر القليلة الماضية موقفين مهمين عبّرا عن نهجٍ ثابتٍ يقوم على الحكمة والحرص على مصلحة الشعب الكردي واستقرار المنطقة. ففي المرة الأولى، حين طُلب من القيادة الكردية أن تتخلى عن دعم الكرد في سوريا وروجآفا كردستان، جاء الجواب واضحًا وحاسمًا: لا. لم تكن تلك الكلمة مجرد ردٍّ سياسي عابر، بل كانت موقفًا يعكس شعورًا عميقًا بالمسؤولية القومية والإنسانية، ويؤكد أن قضايا الشعوب لا تُترك في لحظات الشدة.
أما الموقف الثاني فجاء في لحظة إقليمية أكثر حساسية، مع تصاعد التوترات والصراعات في المنطقة، ومحاولات جرّ أطرافٍ مختلفة إلى ساحات مواجهة جديدة. وفي هذا السياق، جاء التأكيد الصريح بأن إقليم كردستان لن يكون طرفًا في أي حرب بالوكالة، وأنه سيبقى على موقف الحياد تجاه الصراعات الدائرة. لقد كان هذا الموقف رسالة واضحة للعالم مفادها أن كردستان لن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إن الحكمة السياسية لا تُقاس بمدى الانخراط في الحروب، بل بقدرة القائد على حماية شعبه من ويلات الصراع، وصون الاستقرار الداخلي، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الجيران. وإيران، بوصفها دولةً جارة، تبقى جزءًا من معادلة الجوار التي يجب التعامل معها بعقلانية ومسؤولية، بعيدًا عن الانجرار إلى صراعات قد تفتح أبوابًا من الفوضى لا تُحمد عقباها.
لقد أثبتت التجارب في الشرق الأوسط أن الشعوب الصغيرة غالبًا ما تكون أول الضحايا عندما تتحول أراضيها إلى ساحات لصراع الآخرين. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي يؤكد أن البيشمركة، التي وُجدت للدفاع عن أرض كردستان وشعبها، لن تكون أداة في حروب الآخرين.
إن قول “لا” في لحظة الضغط ليس ضعفًا، بل هو أحيانًا أقوى أشكال الشجاعة السياسية. فالقائد الحقيقي هو الذي يعرف متى يقول نعم لخدمة شعبه، ومتى يقول لا عندما تكون مصلحة شعبه واستقرار بلاده على المحك.
وهكذا، خلال فترة قصيرة، سُجل موقفان واضحان في ذاكرة السياسة الكردية: “لا” للتخلي عن القضايا الكردية، و”لا” لتحويل كردستان إلى ساحة حرب. وبين هاتين الكلمتين تتجلى فلسفة قيادةٍ ترى أن كرامة الشعب واستقراره يجب أن يبقيا فوق كل الحسابات.
وفي زمنٍ تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتصاعد فيه النزاعات، يبقى الموقف الحكيم هو الذي يحمي الأرض والإنسان، ويمنح المستقبل فرصةً لأن يُبنى على السلام والاستقرار لا على أنقاض الحروب.