مدخل إلى التعريف بالديانة الکاکائية “اليارسانية” الجزء الرابع

فهمي الکاکائي

إن فلسفة وتاريخ هذه العقيدة(الدين) حالها حال العقائد الباطنية الأخرى محاطة بالضبابية وعدم الوضوح. فلسفة المعتقد هذا وتاريخه وکل النصوص المقدسة محتفظة بها بشکل سري، کما هو الحال مع الطقوس الدينية التي تقتصر فقط على أبناء هذا المعتقد.

نشأة اليارسانية
عندما نتحدث عن هذا الدين هنا، سنتناوله منذ عهد السلطان سهاك(إسحاق)، ومن ثم سنعود لنکتب بإيجاز إلى مراحل سابقة لنشأة الدين بعد ظهور الإسلام. أما مسألة وجوده قبل الإسلام من عدمه، فلا تدخل ضمن هذا البحث.
حسب دراسة مطولة عن السلطان إسحاق، أو السلطان سهاك، فهو ابن الشيخ عيسى البرزنجي، كما يقول السلطان نفسه:
عيسى (باوە)ما، عيسی (باوە)ما
(داود) باب عيسى، (عیسی باوە)ما
(شیخ) و (برزنجه)، حاجي (کاوە)ما

بالإملاء الکوردي
عیسێ باوه‌ما، عیسێ باوما
(داود) باب عیسێ، (عیسێ باوه‌)ما
(شێخ) و (به‌رزنجه‌)، حاجی (کاوه‌)ما

المعنى: عیسی أبي، يا داود، إن عيسی أبي، هو شیخ برزنجە وهو قد زار الکعبة.
أي أن السلطان إسحاق يخاطب البير داود ويقول بأن عيسى والده، وهو شيخ في برزنجە وقام بزيارة الکعىبة فأصبح حاجا.
وبعد بحث مستفيض، يحدد هذا المصدر ولادة السلطان سهاك بعام 716 هـ ووفاته بعام 796 هـ.

الشيخ عيسى والشيخ موسى كلاهما ابنا (بابا علي الهمداني). وبحسب بحر الأنساب، انتقل أجداد الشيخ عيسى من همدان إلى برزنجة، وقد بنى هذان الشقيقان مسجداً في برزنجة عام 686 هـ.

باستخدام معتقداته الخاصة، والإستفادة من الزرادشتية والمزدائية، قام السلطان سهاك(اسحاق) بوضع الخطوط الرئيسية لمعتقده وقسم أصحابه إلى عدة مجموعات، لكل منها مهمة محددة. أسماء هذه المجموعات هي كالتالي: هفت تن، هفتوان، جلتن، ياراني قولطاس، هفتاد ودوو بير، هفت خليفة، هفت خادم، هەفت هفتوان، جل جلتنان، نودونوبیري شاهو، شست و شش غولامي کمرزيرين، هزارويك بندي خواجه صفت، بيور هزار بندە و بيون بندە. يصعب شرح و تفسير وذکر أفراد جميع هذه المجموعات وواجباتها هنا في هذه المقالة. لذا فإننا سوف نکتفي فقط بذکر أسماء مجموعتين من هذه المجموعات وهما:

هفت تن، وهم:
1. السید خدر الشاهویی، لقبه (بنیامین)‌، أو البير بنیامین، وهو شيخ اليارسانيين جميعا.
2. موسی سیاوە، أو موسیاوە، والمعروف ب‌(دواد کوه‌سوار)، د‌لیل أو خليفة الیارسانيين.
3. الملا رکن الدين الدمشقي، المعروف ب( البير موسی)، کاتب السلطانن سهاك(إسحاق) وهناك حي في دمشق بإسمە وهو حي رکن الدين أو (حي الأکراد).
4. مصطفى الداوداني، مسؤول الأمور التنفيذية.
5. الخاتون دایراك، المعروفة ب( دایه‌ ر‌زبار)، وهي والدة السلطان سهاك(إسحاق).
6. الشاهـ أو السيد إبراهیم بن محمد ‌گوراسوار، مساعد السلطان للأمور العرفانية ومرقده في بغداد، في جانب الرصافة وعلى مقربة من جامع ومرقد الشيخ عمر السهروردي.
7. باوە یادگار، مساعد السلطان للأمور العرفانية.

هفتوانە، وهم:
1. السيد محمد گوراسوار
2. السيد أبو الوفاء
3. الحاج بابوعیسی، أو السيد باویسی
4. السيد میر أحمدي سور، میري سور
5. السيد مصطفى الشهرزوري
6. الشيخ شهاب الدين، أو شیخ شابدين
7. الشيخ حبيب شا

كما ذكرنا سابقاً، فإن السلطان سهاك(إسحاق)، أو سان كما يُطلق عليه في هورامان، ليس مؤسس هذا الدين، بل هو المُجَدِّد والمُشرِّع ، لأن هذا الاعتقاد، الذي أصبح فيما بعد ديناً، مرّ بعدة مراحل أخرى، منها:

مرحلة بهلول الماهي
أول جماعة بدأت بنشر المذهب الصوفي الذي عُرف لاحقًا باسم اليارسان أو الكاكائي هي جماعة بالوول(بهلول) الماهي، وإسمه الحقيقي (عمر بن لهب). حدث ذلك في القرن الثاني الهجري. ووفقًا لکتاب سرأنجام، يُعدّ بهلول من أشهر شخصيات هذا المذهب. بدأ بهلول ورفاقه بنشر مذهبهم في هورامان أولا. لاحقًا، زار هو وأصحابه کما يقال، وجميعهم من اللورستانيين، الإمام جعفر الصادق في بغداد، ثم عادوا إلى كرمانشاه، حيث بدأوا بنشر المذهب وانضم إليهم الكثير من الناس.
في كتاب دائرة المعارف لبطرس البستاني، المجلد الخامس، ورد أن بهلول كان أحد مجانين الكوفة، كرديًا إيرانيًا، وأحد تلاميذ الإمام جعفر الصادق. كما ورد في كتاب المنجد في الأدب والعلوم أن بهلول عاش في عهد هارون الرشيد، ويُعدّ من المجانين، وتوفي عام ٢١٩ هـ.

وقول درويش نوروز سوراني عن بهلول:
بالول زاتیون زات یکدانە
عامیان ماجان بالول ديوانە
کي دي ديوانە وي تور دانا بو
مرکو نە ميدان گردون رانا بو

بالإملاء الکوردي:
بالوول زاتێوه‌ن زات یه‌کدانه‌
عامیان ماچان بالوول دێوانه‌
کێ دی دێوانه‌ وه‌ی ته‌ور دانا بۆ
مه‌رکه‌و نه‌ مه‌یدان گه‌ردوون ڕانا بۆ

المعنى: لبهلول ذات وحداني، عامة الناس يقولون بأن بهلول مجنون. من منکم رأى مجنونا عاقلا کهذا، وهو يقود مرکبه في الميادين الکونية، أي في علم الکون.

بهلول ورفاقه جاؤوا من لورستان مرور بالقبائل الکوردية لکي ينشروا عقيدتهم. يقول بهلول:

أو واتي یاران
إيمه ديوانين أو واتي ياران
هني مگيلين يك يك شاران
تا زندە کريم آين إيران(کوردان)

بالإملاء الکوردي:
ئه‌و واته‌ی یاران، ئەو واتەی یاران
ئێمه‌ دێوانه‌ین ئه‌و واته‌ی یاران
هه‌نی مه‌گێڵین یه‌ک یه‌ک شاران
تا زینده‌ که‌ریم ئایین (ئێران)کوردان

المعنى: يقول الناس (الأصدقاء) عننا بأننا مجانين، ها نحن نجوب المدن واحدة تلو الأخرى من أجل إحياء الديانة الکوردية.

أصدقاء بهلول، هم:
بابا‌ لورە اللورستاني
بابا‌ رجب اللورستاني
بابا‌ حاتم اللورستاني
بابا‌ نجوم اللورستاني

كان بهلول أول من أسس ألـ”جم”، وهو مكان كان زملاؤه يجتمعون فيه أسبوعياً للاستماع إلى الترانيم الدينية التي تُغنى على أنغام آلة الطنبور، والتي عُرفت لاحقاً باسم “جمخانە”. الـ”جمخانە” مكان للعبادة وإقامة الطقوس الدينية اليارسانية.

أعتقد أن النشأة الأولى لهذا الدين(الإنبعاث) كان على يد بهلول ورفاقه في القرن الثاني الهجري، حين لم يكن الإسلام قد ترسخ تمامًا في كردستان. والسبب في أکثر الإحتمالات يرجع إلى أن الناس تفاجئوا بأجانب جلبوا معهم دينًا جديدا، ولغة لم يفهموها، وثقافة غريبة عليهم لم يفقهوها، فکان الوضع الجديد بحاجة إلى نوع من الرفض والتصدي وعدم القبول، لكن بشکل خفي نوعًا ما، وذلك خوفًا من الاضطهاد والعقوبة الذي کان من المحتمل أن يتعرض له الناس من قبل أتباع هذا الدين الجديد، ولذلك فإنهم قاموا بتضمين معتقدهم (اليارسانية) بعض الشخصيات الإسلامية عن طريق تناسخ الأرواح، وکان الإمام علي (رض) واحدة من هذه الشخصيات.
إن إستقبال عامة الناس لليارسانية کان بسبب کونها تحمل ثقافة أهل المنطقة ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وکان هذا يبعث الطمأنية في نفوسم. مع أن لغة الدين كانت الكوردية، لکن لم يُمنع أتباع القوميات الأخرى من الذين إعتنقوا اليارسانية من تأليف التراتيل بلغتهم، کالفارسية والترکية، لکن اللهجة الكردية/ الگورانية کانت هي التي تُستخدم في الطقوس الدينية والأدعية، ولا يزال الحال هکذا حتى يومنا هذا.

مرحلة شاخوشین
ثم وُلد شخص آخر يُدعى مبارك شاه من لورستان، المعروف باسم شاخوشين، في أوائل القرن الخامس الهجري لأم باکرة تُدعى جلالة خانم، إبنة ميرزا آمانا، حاكم لورستان. شاخوشين كان معاصرًا لبابا طاهر الهمداني، الشاعر الکوردي المعروف برباعياته، وكان بابا طاهر وفاطمة لورە صديقين لشاخوشين. ومن بين أصدقاء شاخوشين الآخرين:
بابا بوزرگ، كاكارادا، خوداداد، هاندولا، ميرزا آمانا، ريحان خانم اللورستاني، لزا خان الجاف، وغيرهم، وقد أنشدوا لرفاقهم بأصوات عذبة وعلى أنغام الطنبور التراتیل الدينية.
في سن الستين، اختفى شاخوشين في نهر گاماسب، حسب معتقدي هذا الدين. لکنه کان قد وعد أصدقاءه بأنه سيعود بعد ثلاثمائة عام، هکذا ورد في النصوص الدينية. وبهذا فقد عاد شاخوشین في جسد السلطان إسحق في برزنجة بعد ثلاثمائة عام لکي يجدد ويُشرِّع الديانة اليارسانية في محل إقامته بهورامان، وفترة الثلاثمائة سنة بين غيبة شاخوشين و ظهوره ثانية في جسد السلطان إسحاق تسمى فترة السر.

إنتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس.

الصورة: مزار الشيخ عيسى والد السلطان إسحاق والشيخ موسى عم السلطان.

قد يعجبك ايضا