كوردستان ليست بحاجة إلى أوصياء: صعود “تجار التحذير” في زمن التحولات

ماهين شيخاني

في علم الصيد قاعدة معروفة:
الفخ لا يُنصب عشوائياً، بل يُصمَّم بدقة وفق طبيعة الهدف.
فمن يريد اصطياد عصفور لا يحفر حفرة للفيل، ومن يسعى إلى فأر لا ينصب شركاً للنسر.
لكل فريسة فخها المناسب، ولكل فخ ضحية خُلِق من أجلها.
السياسة، مثل الصيد تماماً، مليئة بالفخاخ… وإن كانت أكثر تعقيداً وخطورة.

الفخاخ في السياسة
في خضم التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، ومع تصاعد دخان القاذفات داخل إيران، عاد الحديث بقوة عن مستقبل كوردستان إيران ودور القوى الكوردية فيها.
ومع هذا الحراك، ظهر فجأة نوع جديد من الفاعلين:
“رعاة الوعي” و”تجار التحذير”.
أشخاص لم يعرفوا الجبال التي احتمى بها المناضلون، ولم يعيشوا سنوات المطاردة والسجون،
لكنهم فجأة نصبوا أنفسهم:
حراساً على مصير الأمة
أوصياء على وعي الشعب
خبراء في اكتشاف “الفخاخ السياسية”
كل ذلك… من خلف الشاشات.
حين يشرح المتفرج للصياد كيف يصطاد
الحركة السياسية الكوردية في إيران ليست تجربة طارئة. إنها تاريخ طويل من النضال والتضحيات.
فأحزابها تمتلك تاريخاً وخبرة مثل:
الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني
كومله وغيرهم من الأحزاب المناضلة .
لم تولد على منصات التواصل الاجتماعي، بل وُلدت في ساحات النضال.
هذه القوى:
قدمت آلاف الشهداء
عاشت في الجبال والمنافي
فاوضت قوى إقليمية ودولية
صمدت في وجه أنظمة قمعية لعقود
وهي، بحكم التجربة، تعرف جيداً متى تتقدم… ومتى تتراجع.
لذلك تبدو المفارقة مثيرة للسخرية حين يأتي من لم يخض هذه التجربة ليشرح للمناضلين:
“احذروا… هناك فخ!”

صناعة “الوعي السهل”
في زمن وسائل التواصل، أصبح إنتاج “الوعي السريع” أسهل من أي وقت مضى.
يكفي:
بعض المقالات
بضعة أخبار
كثير من الثقة بالنفس
حتى يتحول المرء إلى خبير استراتيجي يوزع التحذيرات على شعب كامل.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير:
التحذير من الفخاخ أسهل بكثير من مواجهة الواقع.
أسهل أن تجلس على كرسيك وتعلن أنك اكتشفت المؤامرة،
من أن تكون جزءاً من معركة سياسية معقدة تتداخل فيها مصالح دول كبرى وقوى إقليمية.

الفخ الأخطر
المفارقة أن أخطر الفخاخ اليوم قد لا يكون في خطط الخصوم، بل في خطاب الخوف نفسه.
ذلك الخطاب الذي يزرع في العقول فكرة أن:
كل خطوة سياسية هي فخ
كل مبادرة هي مؤامرة
كل تحرك هو خيانة محتملة
بهذا الشكل يتحول التحذير إلى أداة شلل سياسي.
فالخوف المبالغ فيه من الفخ قد يصبح هو الفخ الحقيقي.

ما يحتاجه المشهد الكوردي
القضية الكوردية في إيران تمر بمرحلة حساسة، لكنها ليست بلا خبرة ولا قيادة.
ما يحتاجه المشهد اليوم ليس المزيد من التحذيرات الافتراضية، بل:
وحدة سياسية حقيقية
ثقة بين القيادة والشعب
نقاشات نقدية مسؤولة لا وصاية فيها
فالشعب الكوردي ليس قاصراً سياسياً، والمناضلون الذين صنعوا هذا التاريخ ليسوا بحاجة إلى من يشرح لهم معنى النضال.

الخلاصة
الفخاخ السياسية موجودة بلا شك.
لكن أخطرها ليس ذلك الذي ينصبه الخصم، بل ذلك الذي يقنعك بأنك الوحيد القادر على رؤيته،
وأن كل من يسير في الطريق… يسير أعمى.
فالقضايا الكبرى لا تُدار بالخوف، ولا تُبنى بالتحذيرات المتواصلة، بل بالإرادة، والخبرة، والثقة بقدرة الشعوب على شق طريقها وسط العواصف.

قد يعجبك ايضا