رسن جتو مراد كشتو
تشكل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى واحدة من أخطر التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، إذ لا تقتصر آثارها على حدود الدول المتصارعة فقط، بل تمتد لتعيد رسم موازين القوى والنفوذ في كامل الإقليم، ولا سيما في الدول التي تمتلك فيها طهران نفوذاً سياسياً وعسكرياً واضحاً مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة يقف العراق كواحدة من أكثر الساحات هشاشة وتأثراً، بسبب موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والطائفية وتشابك مصالح القوى الدولية والإقليمية على أرضه.
إن النفوذ الإيراني في المنطقة، والذي غالباً ما يوصف بالنفوذ الشيعي، لم يتشكل فجأة، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ يتبلور بوضوح بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إثر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. ذلك الحدث فتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية السلطة داخل العراق، حيث صعدت قوى سياسية شيعية كانت تعيش في المنفى أو تعمل في المعارضة، وأصبحت شريكاً أساسياً في الحكم. في الوقت ذاته وجدت إيران فرصة استراتيجية نادرة لبناء شبكة نفوذ سياسية وأمنية داخل العراق، مستفيدة من القرب الجغرافي والروابط الدينية والمصالح المشتركة، وهو ما جعل العراق لاحقاً إحدى أهم ساحات التنافس بين طهران وواشنطن.
ومع تصاعد التوتر العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يصبح السؤال المركزي هو: هل سيؤدي هذا الصراع إلى تقليص النفوذ الإيراني في الدول العربية أم إلى تعزيزه؟ الواقع أن الإجابة ليست بسيطة، لأن الحروب الإقليمية غالباً ما تنتج نتائج متناقضة. فمن جهة قد تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توجيه ضربات مباشرة أو غير مباشرة للبنية العسكرية والسياسية التي بنتها إيران في المنطقة، بما في ذلك الفصائل المسلحة المتحالفة معها في العراق ولبنان وسوريا. ومن جهة أخرى قد تؤدي هذه الضغوط نفسها إلى تعزيز حالة التضامن داخل ما يسمى بمحور المقاومة، ما يدفع هذه القوى إلى مزيد من التنسيق والتشدد في مواجهة ما تعتبره تهديداً وجودياً.
في الحالة العراقية تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالعراق اليوم ليس مجرد دولة مجاورة لإيران، بل هو ساحة توازن دقيقة بين عدة قوى داخلية وخارجية. فمن جهة توجد قوى سياسية وفصائل مسلحة ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران وتعتبر نفسها جزءاً من مشروع إقليمي أوسع. ومن جهة أخرى توجد قوى عراقية ترى أن استمرار هذا النفوذ يقيد سيادة الدولة ويجعل البلاد عرضة لصراعات ليست من مصلحتها الوطنية. وبين هذين الاتجاهين تقف الدولة العراقية نفسها، التي تحاول في كثير من الأحيان الحفاظ على علاقة متوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة، وهو توازن شديد الهشاشة.
إن أي حرب واسعة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل قد تدفع العراق إلى وضع بالغ الحساسية. فوجود قوات أمريكية على الأراضي العراقية يجعل البلاد تلقائياً جزءاً من المعادلة العسكرية، حتى لو لم تكن الحكومة العراقية راغبة في ذلك. كما أن وجود فصائل مسلحة قريبة من إيران قد يدفع هذه القوى إلى استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق، ما قد يحول البلاد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين. وفي مثل هذا السيناريو يصبح الأمن الداخلي العراقي مهدداً بشكل كبير، وقد يتعرض الاقتصاد الهش أصلاً لضغوط إضافية نتيجة تراجع الاستثمار وتصاعد المخاطر الأمنية.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الجانب العسكري، بل في التأثير السياسي طويل المدى. فالحروب الإقليمية غالباً ما تعيد تشكيل التحالفات الداخلية في الدول الضعيفة. وفي العراق قد يؤدي تصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة إلى تعميق الانقسامات بين القوى السياسية، حيث قد تتجه بعض الأطراف إلى مزيد من الاصطفاف مع طهران بينما قد تبحث أطراف أخرى عن دعم أكبر من واشنطن أو من القوى العربية الإقليمية. هذا الاستقطاب قد يعرقل أي محاولة لبناء دولة عراقية قوية قادرة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن الضغوط الخارجية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن المجتمع العراقي نفسه بدأ في السنوات الأخيرة يظهر قدراً متزايداً من الحساسية تجاه التدخلات الخارجية، سواء كانت إيرانية أو أمريكية. فقد شهدت البلاد موجات احتجاج واسعة رفعت شعارات تدعو إلى استعادة القرار الوطني ورفض تحويل العراق إلى ساحة صراع بين القوى الدولية. هذه الدينامية الاجتماعية قد تلعب دوراً مهماً في المستقبل، إذ قد تدفع النخب السياسية إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقات الخارجية للعراق وفي ضرورة بناء سياسة خارجية أكثر استقلالاً.
إن مصير العراق في ظل هذا الصراع الإقليمي سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الدولة العراقية على إدارة توازناتها المعقدة. فإذا تمكنت بغداد من الحفاظ على سياسة الحياد النسبي وتجنب الانجرار إلى محور ضد آخر، فقد تنجح في تقليل الأضرار وتحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر توازن إقليمي بدلاً من أن يكون سبباً للصراع. أما إذا فشلت في ذلك، فقد يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو سيناريو قد يعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار التي عانت منها لسنوات طويلة.
في النهاية يمكن القول إن الحرب الدائرة اليوم بين أيران والولايات المتحدة الامريكية و إسرائيل والتي اتسع نطاقها ليشمل مساحات واسعة من الشرق الأوسط، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين دول، بل تحولت إلى لحظة تاريخية قد تعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها. فمثل هذه الصراعات الكبرى لا تقتصر آثارها على ميدان المعركة، بل تمتد لتغير موازين النفوذ والتحالفات الإقليمية وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الدول الأكثر هشاشة. وفي هذا السياق يقف العراق في قلب هذه التحولات بوصفه أحد أهم ميادين الاختبار لمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فإما أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة تتنافس عليها القوى الإقليمية والدولية، وإما أن ينجح في استعادة دوره كدولة ذات سيادة قادرة على حماية مصالحها الوطنية وتحييد نفسها عن الاستقطابات الحادة التي تمزق المنطقة. إن المسار الذي سيسلكه العراق لن تحدده القوى الخارجية وحدها، بل سيعتمد أيضاً على إرادة العراقيين أنفسهم وعلى قدرتهم في بناء دولة قوية ومؤسسات قادرة على صون القرار الوطني في زمن التحولات الكبرى.