العراق بين الجغرافيا السياسية ومواقف الأشقاء

عرفان الداوودي

في خضمّ الأزمات التي تمرّ بها المنطقة، تتصاعد بين الحين والآخر أصوات تعبّر عن شعورٍ بالمرارة لدى بعض العراقيين تجاه مواقف عدد من الدول العربية من قضايا العراق المختلفة. ويأتي هذا الشعور نتيجة تراكمات سياسية وتاريخية تركت أثرها في الوعي العام، خصوصاً حين يشعر البعض بأن العراق يقف اليوم في معادلات إقليمية معقّدة بينما كان يتوقع دعماً أكبر من محيطه العربي.

فمنذ أحداث عام 2003 وما تبعها من تغيّرات كبيرة في بنية الدولة العراقية، يرى كثيرون أن العراق واجه تحديات مصيرية، بدءاً من الاحتلال وما رافقه من دمار وانهيار للمؤسسات، وصولاً إلى صراعات داخلية أثّرت في استقراره السياسي والأمني. وفي خضم تلك المرحلة، يعتقد بعض العراقيين أن مواقف بعض الدول العربية لم تكن بالمستوى الذي ينسجم مع عمق الروابط التاريخية والقومية بين العراق ومحيطه العربي.

وفي المقابل، ظهرت معادلات إقليمية جديدة جعلت العراق في موقعٍ حساس بين قوى إقليمية مختلفة، ومن بينها إيران، التي أصبحت لاعباً مؤثراً في المشهد العراقي بعد عام 2003. هذا الواقع دفع البعض إلى القول إن العراق يبدو أحياناً وكأنه يقف في مواقف سياسية أقرب إلى طهران، الأمر الذي يثير نقاشاً واسعاً حول طبيعة التوازنات التي يجب أن يعتمدها العراق في سياسته الخارجية.

كما أن بعض القضايا الخلافية، مثل قضية خور عبد الله بين العراق والكويت، أعادت إلى الواجهة شعوراً لدى فئات من العراقيين بأن الموقف العربي لم يكن متفهماً بالكامل للرؤية العراقية في هذه المسألة. إذ يرى هؤلاء أن وقوف بعض الدول العربية إلى جانب الكويت في هذا الملف عمّق الإحساس لدى العراقيين بأنهم لم يحظوا بالدعم الكافي من محيطهم العربي.

غير أن قراءة هذه الملفات تحتاج إلى قدرٍ كبير من الحكمة والهدوء، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على العاطفة وحدها، بل على المصالح المتبادلة والتوازنات الإقليمية والدولية. والعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، يحتاج إلى سياسة متوازنة تحفظ علاقاته مع جميع جيرانه، سواء كانوا عرباً أو غير عرب، دون أن يفقد عمقه العربي أو يبتعد عن محيطه الطبيعي.

إن المستقبل الذي يتطلع إليه العراقيون هو مستقبل قائم على التعاون لا الصراع، وعلى بناء جسور الثقة مع الدول العربية، بما يعيد للعراق دوره الطبيعي في المنطقة. فالعراق كان دائماً جزءاً أساسياً من العالم العربي، كما أن استقراره وقوته يمثلان عامل توازن مهم في المنطقة بأسرها.

إن تجاوز جراح الماضي لا يعني نسيانها، بل يعني التعلم منها والعمل على بناء علاقات أكثر توازناً واحتراماً للمصالح المشتركة. فالعراق اليوم بحاجة إلى تعزيز وحدته الداخلية أولاً، ثم الانفتاح على محيطه العربي والإقليمي بروح جديدة تقوم على الحوار والتفاهم، لأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى إلا بالتعاون والتكامل، لا بالانقسام والاصطفاف .

قد يعجبك ايضا