محارق الطامحين إلى العروش

إبراهيم اليوسف

يتضح قانون الغاب- بجلاء- من خلال صورة مكثفة تختصر بنية السلطة منذ فجر تشكل المجتمع البشري، عبر أسد- بل مستأسد- يجلس في مركز الغابة على عرشه، وهو في المقام- الأكثر- قوةً وهيبةً وتدبيراً للعنف، بينما يتحلق حوله من يتمسحون به*، تملقاً، وخوفاً، ورجاءَ حظوةٍ. تلك الصورة لا تقف عند حدود عالم الحيوان، حيث تمتد إلى التاريخ السياسي للإنسان. طالما هناك: سلطةٌ تتأله، بعد أن وجدت مشجبها الغيبي، وحاشيةٌ تتكاثر حولها، ثم دوائر أصغر فأصغر لا تنتهي عند عتبة البيت وسلطة الأب، بل تتعداها إلى: الأم. الأخ الأكبر. الأخ الأكثر ثراء، إذ يستمد كل منها وزنه من مركزٍ واحد، حيث هكذا تنشأ الهرمية، وهكذا تتولد حلقات القوة.

إذ إن كل واحد من أفراد تلك الحلقة يكرر النموذج ذاته داخل نطاقه الضيق: أسيد صغير، وربما” جريو” صغير، تابعٌ للأسد في المركز، بينما يصير أسداً صغيراً- بل مستأسداً- في محيطه. إنه عالم شبكة النفوذ التي تتشكل من هذا التناسخ المقيت، بموجب قوة تتسرب من الأعلى إلى الأسفل، وصعود ولاء من الأسفل. من الدرجات الدنيا إلى الأعلى. كي ينتظم المشهد على هذا النحو: رأسٌ متأله، ودوائر متدرجة، من حوله، تكتسب وزنها عبر القرب من تلك الرأس.

نعم، هكذا تبدأ المشكلة، في ظل التصفيات التي تجري داخل الدائرة السفلى، حيث يزاح الضعفاء أو المتمردون أو العاجزون عن تقديم الطاعة الكاملة، لتترك عملية الفرز هذه، في النهاية، أقطاباً صغاراً، وليحملَ كلُّ قطبٍ صغير ظلَّ القوةِ الكبرى ويعمل تحت أمرها، مقدماً الولاء والقرابين- صاغراً- للوحش الأعظم، مسبحاً بحمده، كي يتقمص صورته في جغرافيا أخرى. هكذا يتصارع الصغار، في الوقت الذي يجري فيه الصراع ضمن سقف القطب الأكبر، في موازاة، أو مستوى آخر، بما يجعلني أرى: أننا أمام ما يمكن أن يكون قانون الحياة، وقدرها- كجزء من نظام كوني أرضي- شأن الذرة، ونواتها، وإلكتروناتها، ونيتروناتها. إذ إن قانون البقاء يتحرك هنا، كما أن الضعيف يُمحى من السلسلة، بينما يبقى القادر على تثبيت موقعه، في كل دورة، داخل السلم الهرمي، وكلما حاول “المستأسدون” الصغار – المتشبهون بأسد الغابة – تشكيل خطر على مصالحه، لطمهم وتخلص منهم، قبل أن تهيئ دورة التاريخ شروطها لمحو حضوره- هو الآخر- عن مسرح التاريخ.

والتاريخ البشري يقدم أمثلة كثيرة على استمداد الطغاة قوتهم من فكرة أنموذجية، متسامية، متعالية. إذ إن الحاكم لا ولم يكتف بالسلطة المادية، لذلك فقد لجأ- باستمرار- إلى الإله- كمحض وسيلة- ليحتمي بشرعيته الخاصة، لنكون في حضرة ملك يعلن أنه ظل السماء، أو إمبراطور يعلن أنه ابن الآلهة، أو سلطان يرى نفسه ظل الإله فوق الأرض. إن فكرة التأله هذه تسوغ الطاعة المطلقة، فمعارضة الحاكم تتحول إلى تمرد على إرادة السماء. كل هذا ما جعل السلطة السياسية تتعملق، لتكون امتداداً لسلطة ميتافيزيقية، مكتسبة بذلك القدرة على إخضاع المجتمعات زمناً طويلاً، لتعيش بعيداً عن إرادتها، دائرة في فلكها!

ولقد رأينا كيف أنه منذ انتقال العالم -لاحقاً- إلى صيغة القطبية الدولية، تكررت القاعدة القديمة في إطار شعارات جديدة، بعد أن تشكل القطبان الكبيران في القرن العشرين وهما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. كل منهما شيد حول نفسه منظومة نفوذ، وأقطاباً صغاراً داخل مناطق تأثيره. كي تدور في فلكها دول، وتتحرك جيوشٌ جرارة تبعاً لقرار المركز. تبعاً لسياسات تُصاغ في العواصم الكبرى قبل أن تنتقل إلى الأطراف، ما مكن هذه القطبية هنا من إعادة إنتاج قانون الغاب في هيئة منظومة دولية.

كما شهدنا والعالم أجمع كيف أن انهيار أحد القطبين فتح الباب أمام لحظة انتقالية، تمثلت في بقاء الولايات المتحدة قطباً متقدماً، بينما تلاشى دور دولة الاتحاد السوفياتي، لتحاول- تدريجياً- فيما بعد، استعادة موقعها، في الوقت الذي رفعت فيه الصين- رأس تنينها- لتصبح قوةً صاعدة تسعى إلى تثبيت حضورها في ميزان العالم. أجل، إن تعددية الأقطاب تتشكل ببطء، غير أن القاعدة العميقة بقيت وتبقى على حالها، كقوة كبرى تحاول تكريس وتثبيت مركزها، مقابل قوى أصغر تبحث عن ظلها داخل هذا النظام.

وما يهمنا هنا هو أن الشرق الأوسط- وسط هذه اللوحة متلاطمة الألوان الساخنة والرمادية والباردة- بات بدوره يعكس هذه البنية، حيث نشهد كيف أن قوى إقليمية صارت تحاول تقديم وفرض نفسها قطباً داخل الإقليم، غير متورعة عن افتعال الحروب التي لم تدخلها- غالباً- لأول وهلة، وهنا يمكن استحضار حالة إيران التي سعت للعمل على بناء مجال نفوذ واسع عبر الشبكات العسكرية والسياسية، وكذلك: تركيا ذات التاريخ الدموي الطويل والتي تسعى إلى دور قيادي يتجاوز حدودها الجغرافية، في المقابل: نجد المملكة العربية السعودية التي تحاول تثبيت مركز ثقل عربي وإقليمي. كل واحدة من هذه القوى تحاول أن تكون صورة مصغرة عن قطب أكبر، إذ إن التنافس يجري على المكانة والهيمنة والنفوذ.

هنا تتضح المفارقة، باعتبار أن الدول التي تطمح إلى قيادة المنطقة لكل منها سجلها المثقل بالدم، إزاء خرائط ابتلعت شعوباً أخرى، وسياسات اعتمدت القمع، أو الإقصاء، أو الصهر القسري. إذ بات جلياً أن من يرفع شعار القيادة الإقليمية فهو يحمل في يده آثار صراعات طويلة- قديمة وحديثة- مع مكونات داخل حدوده الحالية، أو المختلف عليها، لأن طموح الهيمنة و السيادة يصطدم بتاريخ ممتلئ بالتوترات الداخلية.

من هنا- تماماً- تتولد أزمة الأمن في العالم، لأن قطبية القوة لم تتوزع بصورة عادلة داخل الأسرة الدولية، لطالما إن مؤسسات القانون الدولي تظل رهينة ميزان القوة التي تستخدم وفق منافع اللاعبين الكبار في هذا العالم، غير مبالين بحقوق الشعوب التي تهمش، أو تعدم، أو تؤجل- كي تستخدم ورقة الضرورات الدائمة في عالم التقلبات السياسية- في خدمة مصالح الدول الكبرى، ومن ثم أتباعها: المتمسحين بها، بحسب تراتبية سلم التدريج المنفعي، حيث تظل القضية رهينة موازين النفوذ، بعيداً عن شروط وقوانين قواعد العدالة المغيبة؟

ثمة حقوق وقضايا عادلة لشعوب أخرى عديدة بقيت معلقة كذلك. الشعب الكردي يقف في مقدمة أصحاب تلك الحقوق والقضايا. شعب عظيم ذو حضور جغرافي- مجزأ- واسع الانتشار يعيش ضمن خرائط دول متعددة، تشكلت، لاحقاً، وفق مصالح دولية، بينما مطالبه القومية والسياسية لاتزال مرتبطة بمواقف القوى الكبرى، حتى الآن. القطب الدولي يستخدم قضايا الشعوب- أية قضية كانت- أحياناً أوراق ضغط، ثم يتركها حين تتغير المصالح. إذ إن مفهوم القطب ذاته تأسس على حساب حقوق بعض الشعوب الصغيرة والكبيرة!

تحت ظل القطبين الكبيرين، خلال القرن الماضي، ترسخت رسوم خرائط ابتلاع الشعوب، بعد سلسلة اتفاقيات سياسية قديمة وحديثة، رُسمت في أطالس الجغرافيا دون اعتبار لحقوق المكونات. دول نشأت فوق أرض قومية ما، أو أراض تضم قوميات متعددة، بينما سياسات المركز سعت إلى دمجها قسراً أو إقصائها. على هذا النحو، تحولت شعوب كثيرة إلى مادة خام داخل مشروع الدولة القومية المعترف بها!؟

ويمكن التأكيد أن واقع الشعب الكردي يقدم مثالاً رمزياً مكثفاً لهذه المعضلة شبه الأبدية، بعد أن استعانت وتستعين أو تزمع قوى إقليمية الاستعانة به في لحظات الحرب، لتتركه- كما في كل مرة- عند نهاية الحرب أو المعركة، ليس بدءاً من العثمانيين الذين استخدموا المقاتلين الكرد في جبهات عديدة، ليهملوهم، أو ليضعوهم على طاولة الإعدام المحلل، وهو ما كررته ما سميت ب” الثورة “الإيرانية بقيادة آية الله الخميني التي استفادت من الدعم الكردي في بدايتها، ثم راح يغدر بمن اعتمدهم في “ثورته” ليفتك بهم، ويقتفي” خلفاؤه” أثره، ولا أريد أن أمضي بعيداً في التاريخ، ولا حاضراً في” كشاكيله” لعرض نماذج عديدة مشابهة، تكررت، وتتكرر، في مراحل متعددة من تاريخ المنطقة، بعد أن يتم تزيين الأمر للكرد، عبر استغلال- الأخوة- الشراكة- الجيرة وغيرها من القيم والشعارات، لأغراض زائفة، يتحول الكردي إلى سنمار العمارة التي يشيدها لسواه، ويبعد عنها، زوراً، أو ينفذ الإعدام بحق حلمه…!؟

هكذا وجد الكرد أنفسهم في قلب صراعات الشرق الأوسط، بعد أن غدت جغرافيا كردستان، بعد ليلة معتمة طويلة وضحاها، ميداناً لخطوط الحرب الكبرى: منها حروب عالمية- مصيرية- مرت عبر أرضهم، إلى جانب صراعات إقليمية اندلعت فوق جبالهم ومدنهم، وتحالفات دولية استعانت بقواتهم في ميادين مختلفة، لتدخل دماء الكرد في حومات معارك وحروب كثيرة، حيث تتحول أرضهم إلى مقابر مفتوحة داخل خرائط المنطقة، وخارجها، وفق إرادة صناع الحروب: قداماهم ومعاصريهم.

لقد رافق كل ذلك تاريخ طويل من الصهر القسري، من سياسات: تعريب أو تتريك أو تفريس حاولت دمج الكرد- دققوا على كلمة دمج الكرد المتجددة- داخل هويات الدول القائمة، وهم يعيشون في وطنهم، إلا أنهم وجدوا أنفسهم- بغتة- أتباع أنظمة منبثقة تخدم قوميات مختلفة، ألحقت بها زوراً. ولهذا فقد تعرضت ثقافة الشعب الكردي- كما حال وجودهم- لحملات تذويب- إبادية- جينوسايدية، مستمرة، بينما حقوقه السياسية بقيت معلقة بين موازين القوة. ليصبح الكرد- وفق كل هذه المؤامرات- طرفاً دائماً، يلجأ إليه، أو نخطط دونه المؤامرات، وتحاك الخطط، ضمن معادلات الشرق الأوسط دون امتلاك قرار مستقل، بما يصح بحقهم ما قلته في أوائل تسعينيات القرن الماضي: إنهم يريدوننا” أكراداً” تحت الطلب!

أجل، العالم يبحث عن استقرار ما بعد أحقاب من دورات العنف، غير أن الاستقرار الحقيقي يرتبط بمعالجة تلك العقدة التاريخية غير المعالجة، بعد، لطالما هناك شعوب مضطهدة- بفتح الطاء- كثيرة، تعيش داخل خرائط فرضت عليها، ولم تخترها، بعد أن تقوسمت خرائطها، أو ابتلعت، ولما تزل قضايا وجودها معلقة تنتظر من المجتمع الدولي حلولاً عادلة. إذ إن أمن المنطقة يرتبط بإقرار حقوق تلك الشعوب ضمن نظام دولي يوزع القوة بصورة متوازنة.

من هنا يظهر جوهر المسألة، انطلاقاً من أن فكرة القطب حين تأسست على منطق القوة وحدها فقد أنتجت نظاماً يستنسخ قانون الغاب تحت ظل السياسة الدولية، في وجود” أسد” كبير يهيمن على الغابة، يقابله أسيد أصغر يدور حوله في كل بقعة غابية، بينما الشعوب التي تعيش داخل تلك الغابة تدفع- فاتورة- الصراع البغيض، كي يظل العالم مضطرباً، ما دامت تلك البنية قائمة، إذ إن العدالة المؤجلة تتحول مع الزمن إلى بؤرة صراع متجددة، وهو ما تم، ويتم حتى الآن، وسيظل مستمراً، إلى أن تتشكل أسرة دولية عادلة، تعاد الحقوق الكاملة إلى كل شعب سلبت خريطته، واستبعد، واستعبد- زوراً- ضمن حدود خريطة مصطنعة، كضيف، ليكره، على اعتبارها، مقدسة، لأنها مفروضة، من قبل قوى طغيان دولية، داعمة لحراسها الدائرين في فلكها!

قد يعجبك ايضا