شخصية رئيس الجمهورية

د. حازم محمود حميد النعيمي

في الانظمة الدستورية الحديثة لا يقاس ثقل منصب رئيس الجمهورية بعدد الصلاحيات المكتوبة في الدستور بقدر ما يقاس بملامح الشخصية التي تتولى هذا الموقع السيادي. فالرئيس ليس مجرد موقع على القوانين او ممثل بروتوكولي للدولة بل هو رمزها ومرآتها في الداخل والخارج. ان رئيس الدولة لا يمارس السلطة التنفيذية اليومية لكنه يمارس السلطة المعنوية التي تحفظ توازن الدولة ولذلك تصبح الصفات الشخصية شرطا جوهريا لنجاح المنصب وليست تفصيلا ثانويا. كما يؤكد الخبير البريطاني والتر باجيت في تحليله للنظام الدستوري البريطاني ان بعض المناصب الدستورية لا تستمد قوتها من السلطة المباشرة بل من قدرتها على التأثير المعنوي والرمزي في النظام السياسي فالقيمة الحقيقية لهذه المناصب تكمن في كونها مرجعية دستورية واخلاقية للنظام السياسي.
وتؤكد تجارب الدول هذه الحقيقة بوضوح. ففي المانيا مثلا تعد صلاحيات الرئيس الاتحادي محدودة مقارنة بالحكومة والبرلمان كما هو الحال في العراق، ومع ذلك ظل المنصب يتمتع بمكانة عالية بسبب الشخصيات التي شغلته. فقد لعب الرئيس فايتسكر في ثمانينيات القرن الماضي دورا وطنيا بارزا في تهدئة المجتمع الالماني عبر خطاباته التي ركزت على المصالحة والذاكرة التاريخية حتى وُصف بانه ضمير الجمهورية. فهو لم يغير الدستور صلاحياته لكنه غير المزاج الوطني بقوة شخصيته.
ان اولى الصفات المطلوبة في رئيس الجمهورية هي الاستقلالية المعنوية حتى ان كان مرشحا لاحد الاحزاب السياسية. فرئيس الجمهورية مطالب ان يكون فوق الاصطفافات الضيقة وغير مرتهن لضغوط الكتل السياسية. ان وجود رئيس تابع لاي طرف يفقد الموقع معناه ويحوله الى امتداد سياسي لغيره. وتظهر هذه الفكرة بوضوح في التجربة الهندية فالرئيس في الهند لا يدير الحكومة اليومية لكن الدستور منحه دور الحارس للنظام الدستوري. وعندما شهدت البلاد ازمات سياسية معقدة كان تدخل الرئيس قائما على التوازن لا على الانحياز، خصوصا في حالات تكليف رؤساء الحكومات بعد الانتخابات البرلمانية. وقد اكتسب بعض الرؤساء شعبية واسعة لانهم كانوا قريبين من المجتمع وبعيدين عن صراعات الاحزاب. كما يؤكد الفقيه الدستوري البريطاني الشهير إيفور جيننغز ان وجود شخصية محايدة على رأس الدولة يشكل عنصرا ضروريا لاستقرار النظام السياسي لان هذه الشخصية تستطيع ان تكون نقطة التقاء بين المؤسسات المختلفة عندما تحتدم الازمات السياسية. لذلك فإن قيمة المنصب لا تقاس بحجم الصلاحيات بل بالدور التوازني والمعنوي الذي يؤديه داخل النظام الدستوري.
ثم تأتي الحكمة السياسية. فرئيس الجمهورية لا يفترض ان يكون صاحب قرارات متسرعة او ردود افعال انفعالية بل شخصية تزن الامور بميزان الدولة لا بميزان اللحظة. ان الحكمة ليست ترددا بل قدرة على قراءة التوقيت وفهم التوازنات ومعرفة متى يتدخل ومتى يلتزم الصمت المدروس. وفي ايطاليا تقدم التجربة مثالا واضحا على دور الحكمة فالرئيس الايطالي غالبا ما يتدخل لحل الازمات الحكومية عندما تفشل الاحزاب في تشكيل الحكومة. وقد نجح عدد من الرؤساء في منع الانهيار السياسي عبر مبادرات هادئة غير صاخبة، فالرئيس هناك ليس صاحب القرار التنفيذي لكنه صمام امان للنظام السياسي.
ومن الصفات الجوهرية ايضا ان يكون رئيس الجمهورية رئيسا للدولة قادرا على تمثيل بلده في المحافل الدولية على اعلى مستوى. فالرئيس عندما يلتقي بقادة الدول او يشارك في المؤتمرات الدولية لا يمثل شخصه ولا حزبه بل يمثل تاريخ بلده وثقافته ومصالح شعبه. ولذلك يفترض ان يكون ندا لبقية الرؤساء والقادة في العالم، قادرا على الحوار معهم بثقة واحترام متبادل. والمقصود هنا ليس فقط اتقان لغات اجنبية او اسلوب الحديث بل امتلاك مستوى رفيع من اللغة السياسية والدبلوماسية التي تعكس عمق الفهم والقدرة على التعبير عن مصالح الدولة ومواقفها بوضوح واتزان. فالرئيس الذي يمتلك هذا المستوى من الخطاب السياسي يمنح بلده حضورا محترما في الساحة الدولية ويعزز مكانتها بين الدول.
كما ان الثقافة الواسعة شرط لا غنى عنه ايضا، فالرئيس الذي يفتقر الى معرفة سياسية واقتصادية وتاريخية سيجد نفسه عاجزا عن فهم عمق الازمات وتعقيد الملفات التي تعرض عليه يوميا. ان رئيس الدولة يتعامل مع قضايا تتعلق بالعلاقات الدولية والاقتصاد والطاقة والامن والمجتمع، وهذه القضايا لا يمكن استيعابها بالخبرة الادارية وحدها بل تحتاج الى خلفية فكرية ومعرفة متراكمة. ان الثقافة تمنحه لغة مشتركة مع النخب الفكرية والاكاديمية وتمكنه من الحوار مع الخبراء وصناع القرار داخل بلده وخارجه. كما تساعده على قراءة التقارير الاستراتيجية وفهم دلالاتها وعدم الاكتفاء بالملخصات التي تقدم اليه.
ومن الصفات الدستورية الجوهرية ايضا ان يكون رئيس الجمهورية حاميا للدستور. فالرئيس بحكم موقعه يقسم اليمين الدستورية على احترام الدستور وحمايته، وهذا يعني امتلاكه الشجاعة الكافية لتأشير اي محاولة للتجاوز على احكام الدستور من اي جهة كانت، سواء جاءت من سلطة سياسية او مؤسسة حكومية او كتلة نافذة. ان حراسة الدستور لا تتحقق بالحياد السلبي بل بالموقف الواضح عندما تتعرض القواعد الدستورية للتجاوز او الالتفاف. ولذلك يفترض ان لا يخضع الرئيس لاي ضغوط سياسية عند ممارسته لصلاحياته الدستورية، خصوصا فيما يتعلق بالمصادقة على القوانين او المراسيم الجمهورية الخاصة بتعيين كبار المسؤولين في الدولة. فالمراسيم الجمهورية ليست اجراءات شكلية بل اداة دستورية لضمان سلامة القرارات.
ولا تقل النزاهة الشخصية اهمية عن اي صفة اخرى. فرئيس الجمهورية يجب ان يكون عنوانا للاخلاق العامة وسقفا عاليا للثقة. ان النزاهة لا تعني فقط الخلو من شبهات الفساد بل الوضوح في المواقف والالتزام بالدستور والقانون. والتجربة السنغافورية تقدم نموذجا لافتا في هذا المجال، فالرئيس هناك منصب رمزي نسبيا لكنه يلعب دورا رقابيا في حماية المال العام والموافقة على بعض القرارات السيادية. وقد اكتسب المنصب ثقله من سمعة شاغليه الذين عرفوا بالنزاهة والانضباط، الامر الذي عزز ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها.
ومن الصفات الضرورية ايضا قدرة رئيس الجمهورية على ادارة التوازن بين القوى السياسية المختلفة. فالرئيس بحكم موقعه الدستوري وشخصيته التوافقية يكون في كثير من الاحيان الجهة التي تلجأ اليها الاطراف السياسية عند اشتداد الازمات. وفي العراق برزت خلال السنوات الماضية اجتماعات ما يعرف بالرئاسات الاربع التي تضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الاعلى. ويتولى رئيس الجمهورية رئاسة هذه الاجتماعات باعتباره رمز الدولة والجهة الاكثر حيادا بين السلطات. وقد لعبت هذه الاجتماعات في العديد من المحطات دورا مهما في تخفيف التوترات السياسية ومعالجة الخلافات بين المؤسسات الدستورية والكتل السياسية وكذلك الازمات والتهديدات التي تواجه البلد.
كما يفترض ان يمتلك رئيس الجمهورية سجلا عاما في خدمة الوطن فالمناصب السيادية لا تمنح لمن ظهروا فجأة على الساحة السياسية بل لمن راكموا تجربة ومواقف وتضحيات. ان التاريخ الوطني يمنح الرئيس شرعية اخلاقية ويجعله اقرب الى الشعب. ففي جنوب افريقيا لم يكن تأثير نيلسون مانديلا نابعا من صلاحياته بل من تاريخه النضالي الطويل الذي جعله رمزا وطنيا قبل ان يكون رئيسا. وفي العراق نفسه قدمت التجربة بعد عام 2005 مثالا مهما على ذلك فقد جرى اختيار الزعيم جلال طالباني رئيسا للجمهورية ليس فقط لاعتبارات التوازن السياسي بل بسبب سجله النضالي الطويل ودوره التاريخي في الحياة السياسية العراقية.

ومن صفات رئيس الجمهورية ايضا قدرته على التواصل مع الاخرين فهو لا يخاطب النخب السياسية فقط بل يخاطب عموم المواطنين بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم. ان الرئيس الناجح يتحدث بلغة جامعة تطمئن ولا تستفز وتوحد ولا تقصي، ويحرص على اختيار كلماته بعناية لانها تعبر عن موقف الدولة لا عن رأي شخصي.
الخلاصة ان منصب رئيس الجمهورية لا يحتاج شخصية عادية بل مزيجا نادرا من الحكمة والاستقلال والنزاهة والثقافة وقوة الحضور والتاريخ الوطني والقدرة على تمثيل الدولة بكرامة في المحافل الدولية فالدولة في صورتها الرمزية العليا تقف عند حدود شخصية رئيسها وترتقي او تنحدر بقدر ما يحمله من صفات تليق بالموقع والمسؤولية.

قد يعجبك ايضا