العراق دولة ام ساحة معركة؟

ضياء بطرس

عندما تعمل جماعات مسلحة خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة العراقية ولا تلتزم بالقوانين والاوامر والتعليمات، تتحول الدولة الى مسرح للنزاعات المسلحة وتصبح اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلم صادرة من عواصم بلدان أجنبية بدلا من بغداد.
ان ما يعيق بناء الدولة على المدى الطويل هو تآكل الحكم حينها تضطر الحكومة العراقية للدخول في دوامة من ادارة الأزمات وردود الأفعال بدلا عن ايجاد الية حل الازمات.
في نهاية المطاف اذا كان الهدف هو الوصول الى دولة ذات سيادة، فان قرار حصر السلاح بيد الدولة حصرا ينبغي ان يكون قرارا تنفيذيا واجبا وليس فقط شعارا تجميليا، أما أذا كان الهدف ابقاء واستمرار العراق ساحة للمعارك، فان استمرار وجود جماعات مسلحة (مستقلة في قرارها وتصرفاتها) هو الوسيلة الأنجع لضمان بقاء الحال على ما هو عليه.
بالعودة الى السنين السابقة نحن على علم بان رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي أصدر الأمر الديواني رقم (237) لسنة 2019 لتنظيم وضع الفصائل. ولنستعرض أهم بنوده لنرى كيف تطبق اليوم على أرض الواقع:
اولا: انهاء جميع المسميات التي كانت تستخدمها الفصائل (مثل سرايا، كتائب، عصائب، وغيرها من المسميات) واستبدالها بمسميات عسكرية نظامية (لواء، فوج).
الواقع الحالي: لا تزال هذه المسميات تستخدم في الاعلام والنشاطات العامة والبيانات السياسية، رغم التسمية العسكرية الرسمية لها.
ثانيا: غلق جميع المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل داخل المدن العراقية.
الواقع الحالي: ما زالت هذه المكاتب تمارس أنشطتها التجارية والاقتصادية لتوفير الموارد المالية اللازمة لديمومة نشاطاتها وتسليحها بعيدا عن الرقابة المالية للدولة والسلطة التنفيذية.
ثالثا: منع الجمع بين العمل السياسي والعسكري لاي تنظيم.
الواقع الحالي: لايزال هناك تداخل صريح بين العملين العسكري والسياسي حيث شاركت وتشارك اغلب الفصائل المسلحة في العملية السياسية داخل الساحة السياسية العراقية (وآخرها انتخابات مجلس النواب العراق الذي جرى يوم 11-11-2025) وحصدت مقاعد عديدة وأصبحت رقما صعبا في تشكيل الحكومة وفق التوقيتات الدستورية، مع بقاء نشاطاتها العسكرية قائمة، مما يشير الى خلل جسيم في المنظومة الأمنية والدفاعية.
رابعا: استخدم رؤساء الوزراء (خاصة الكاظمي والسوداني) شعار حصر السلاح بيد الدولة كاطار سياسي وقانوني للحد من العمليات خارج اطار الدولة وايضا تشكيل لجان لدمج العناصر التي تلتزم بهذا المبدأ والمنضبطة في الأجهزة الأمنية (الدفاع والداخلية) وحل المجموعات التي ترفض الانصياع.
الواقع : ان هذه المحاولات واجهت صدامات مباشرة أحيانا، مثل حادثة الدورة عام 2020، مما اثبتت صعوبة انفاذ القانون على فصائل تمتلك ترسانة عسكرية موازية للدولة.
ما نلاحظه اليوم هو أن السلاح لم يصبح بعد بيد الدولة بالكامل، وفشلت الحكومات المتعاقبة في السيطرة عليه بشكل مطلق، والدليل القاطع على ذلك هو انخراط هذه الأسلحة في الصراعات الاقليمية الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسر- ائيل من جهة وجمهورية ايران الاسلامية من جهة أخرى، اضافة الى استخدام الطائرات المسيرة العسكرية من داخل الأراضي العراقية لقصف مدن ومناطق عراقية أخرى، كما حدث ويحدث الآن في أربيل منذ اندلاع الحرب ولحد الآن، هذا الأمر سيضع السيادة العراقية في مهب الريح.
وفي ظل هذا الواقع المؤلم الحالي، يصبح من واجب القائد العام للقوات المسلحة العراقية والجهات الأمنية والعسكرية المعنية اتخاذ اجراءات حازمة لوضع حد لهذه الأعمال التي تمثل انتهاكا صارخا لسيادة الدولة وللحقوق المدنية للمواطنين، والعمل على ابعاد المواطنين المدنيين عن الصراعات العسكرية والاقليمية الدائرة، والكف عن هذه الممارسات التي خلقت الخوف والذعر لدى المواطنين وتسببت بخسائر كبيرة بالممتلكات.
وهنا يبرز مثال واضح على خطورة هذا الوضع ما جرى مساء يوم 5-3-2026 من سقوط طائرة مسيّرة على مجمع كابيلا ماكفني وكنيسة مار بطرس وبولص الكلدانية ودير بنات مريم الكلدانيات في منطقة عنكاوا وعلى بعض الدور السكنية الاخرى في مركز مدينة اربيل التي احدثت اضرار مادية كبيرة، وهو حادث يعكس مدى خطورة زج المناطق المدنية ودور العبادة في صراعات لا علاقة للمواطنين الآمنين بها، وهنا نؤكد للحاجة الملحة الى حماية المدن العراقية وتحقيق سيادة الدولة بشكل فعلي على السلاح داخل أراضيها لانه من منظور القانون الدولي الانساني، فان استهداف أو تعريض المناطق المدنية ودور العبادة للخطر يعد انتهاكا لمبدأ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وهو مبدأ أساسي منصوص عليه في اتفاقيات جنيف التي تُلزم أطراف النزاعات بتجنب تعريض المدنيين والبنى المدنية للخطر.
كما أن استخدام أراضي الدولة لشن هجمات داخلية أو خارجية دون سيطرة السلطات يتعارض مع مفهوم سيادة الدولة المعترف به في الأمم المتحدة وميثاقها، والذي يؤكد على احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل حدودها
لذا يبقى التساؤل قائما هل العراق دولة ذات سيادة، أم مجرد ساحة معركة؟

قد يعجبك ايضا