حسن سليفاني
دو وعي رميت المايكرفون، اغمضت عينيك وفتحتهما ثانية، رفعت راسك، وقلت لـ بيار:
– هناك ما هو اهم من هذا.
بذلك الوجه الحزين، نظر اليك وقال لك:
– لم تبق امامنا خيارات اخرى.
– مع السلامة.
– سالتحق بك ايضاً.
حينما تركت الغرفة، ووصلت ساحة متوسطة بدرخان، التي كانت قد غدت المقر الرئيسي لقيادة العمليات، احسست ان اوراق الاشجار ايضاً مليئة بالألام والأشجان، وليست باسمة كما كانت قبل ايام، نظرت الى اولئك الناس المندهشين والخائفين والذين غادر الدم وجوههم، نار جهنمية كانت تغلي في داخلك، وتحرق اعماقك، التفتَ خلفك، نظرتَ ثانية الى حيطان المدرسة، وبغضب غادرت.
تلك المقرات كانت قبل ساعة واحدة مليئة بالألوان والأصوت والسلاح والعتاد والغناء والشجعان، غدت صامتة.
لم يكن اهل زاخو والذين حلَّو ضيوفاً عليها يسيرون كالسابق مدججين بالسلاح والعتاد، والبعض منهم كان قد غدا تمثالاً صخرياً شامخاً قرب حيطان الدكاكين.
قلت في سرك اين انتم يا اصحاب المسدسات والبنادق والجعب المرصعة بالعتاد والرمانات؟ أين انتم يا اصحاب الالسنة الطويلة؟؟
بغضب سلكت درب بيت عمك، واندهشت من سرعة وصولك حينما دخلت البيت، ركض نحوك (دلو) صغيرك ذو السنتين وقال:
– جاء ابي…جاء ابي.
بهدوء غادرت خيوط الغضب وجهك، بقلب مفعم بالحسرة قلت لنفسك (ما ذنب هذا الطفل ان يقتل؟ او ان لا يرى اباه بعد اليوم؟؟).
رفعت طفلك عن الارض واحتضنته، وقبلته كثيراً، التصق هو اكثر بصدرك، ثانية قبلته، أخذته الى الغرفة وبهدوء اعدته الى الاض، قبل ان تتكلم امه قلت لها:
– هاتي سلاحي وعتادي.
هاجمت الغيوم القاتمة حالا وجهها الوردي. تغيرت ملامحها، اسئلة ميتة بدأت الرقص على شفتيها الحيرى، غدت الكلمات في حلقها مخالب محراث حديدي. بعينيها اللتين تجيد فهم لغتهما قالت لك:
– يقولون ان الجيش يتحرك الآن صوب دوبان وگهلی زاخو.
– اين خنادقنا الدفاعية؟
– لاتخافي، أنهم يستعدون الأن للدفاع، والگهلی مليء بالرجال والكل يقصده لصد الهجوم.
– كان الأولى، ومنذ اليوم الأول للأنتفاضة، التفكير الجدي في هذا اليوم الأسود، وحماية الگهلی، وسميل ودهوك وأن لا يكونوا تائهين كما اليوم.
– لا تأبهي فالگهلی آمن وفيه من يحميه.
– وهل نبتغي غير هذا، وليقضم الله ظهر الجيش ان شاء الله.
توجهت نحو المطبخ، وضعت امامك صينية برغل مع خبز مرشوش بالماء، جلست قبالتك، تأملتها جيداً، تأملتك جيداً، بهدوء كانت الهموم تغادر وجهها وتهرب، كان الورد والبيبون ثانياً يسكن وجهها، بدلال قالت لك؟
– ما بك تنظر اليَّ؟
– احبك.
– اعرف ذلك.
– احبك كثيراً.
– كأنك ستموت؟
– لا اعتقد ذلك، فالوقت مبكر للموت.
– هيا كل.
تناولت بضع معالق من البرغل، وارتشفت نصف كأس ماء، غيرت البنطلون الكاوبوي الذي كنت ترتديه، ولبست الشروال الذي جلبته معك من مالطه.. واحكمت ربط الجعبة النسيجية المزدانة بالشواجير المليئة بالرصاص، ولففت الغطرة القديمة حول رقبتك، ابتسم ابنك زيرفان ذو السبعة السنين وقال:
– انظروا الى ابي كيف غدا بیشمرگه؟
حينما تناولت الكلاشينكوف، تمكنت حماتك بصعوبة ان تقول:
– ماذا ستفعل بالله عليك؟
علقت البندقية بكتفك وقلت لها:
– ساذهب الى الگهلی.
– أي گهلی واي قتال!! ما دخلك انت.
– اتريدينني ان اجلس، واطأطيء راسي ليأتوا ثانية ويركبوننا؟
– ما الذي ستغيره انت؟
– اذا لم اتصدى انا واولادك وشباب المدينة ما قيمتنا اذاً؟ ولم وجودنا؟
– لكن… لكن..
– كفى…كفى.. ساذهب يعني ساذهب، انتبهي للاولاد.
قبل ان تغادر قال لك زيرو:
– انا ايضا اريد ان اتي معك
– لماذا يا ولدي؟
– لكي اساعدك.
– وكيف ستساعدني؟
– سأعبيء الشواجير لك للأطلاقات، بالله أني أجيد ذلك تمرنت على ذلك خلال هذه الأيام.
– لا زال الوقت مبكرا بالنسبة لك يا ولدي، انتظر سيأتي يومك ايضاً ولتقاتل.
حقاً فرحت لكلام زيرهڤان وارتسمت ابتسامة على شفتي امه قبل أن تخرج قالت أمه لك:
– بالله عليك انتبه لنفسك، كن يقظاً.
ألتفت نحوها وبلغة العيون قلت لها:
– وهو كذلك.
حينماابتعدت خطوات عن البيت، وصلك صوت حماتك:
– لترافقك السلامة يا ولدي.
* * *
كانت الشمس المتهبة في كبد السماء تنشر اشعتهاالذهبية فوق قسم (بێخێر) وجسر دلال ونهر الخابور الغاضب المتهور.
قبل ان تصل الى ساحة بارزان، نصب العرق خيمته وسط جبينك، بهدوء اخرجت كفيتك الصغيرة من جيب الشروال، ومسحت بها العرق، بغضب نظرت الى الكازينو الرياضي الذي احتضن قبل ستة ايام احد قادة الجبهة الكوردستانية الذي القى خطاباً جميلاً ومعقولاً بمناسبة الانتفاضة الباسلة وتحرير قلب كردستان (كركوك).
ابتلعت ريقك وقلت: اين الناس الذين تجوعوا حوله ولم يدعوه يكمل خطابه من شدة التصفيق؟
قلاب المستوصف شاهدت جهكهر، رفع يده اليمنى وبشوق اتجه نحوك ضرب بكفه جعبنك وقال:
– مع من انت لاوك؟
– انا وحدي، لكن الزملاء في الاعلام قد قالوا سنذهب معاً، موعد اللقاء في المقر.
– انتظرني ساجلب بندقيتي واتناول شيئاً ما وآتي.
– حسنا، لا تتأخر.
في تلك الاثناء سلم عليكما شاب حسن الهندام والقوام وقال:
– أحقاً ان الجيش والدبابات قد وصلوا السهل؟
اجابه جهكهر على الفور:
– اولا تعلم ذلك حقاً.
– يا الهي ماذا سنفعل اذاً؟
حينما تكلم بهذا البرود القاتل والصبيانية المعلنة، دون وعي منك، غدوت ناراً حارقة وصوبت يدك نحو وجهه وبصلابة قلت له:
– المهم سلامتك انت ورباطك وحذاؤك الذي يلمع،ألا تخجل من قولك هذا؟ او لست رجلاً ايها التافه الا تستطيع حمل السلاح؟ تباً لك ولامثالك..
ارتبك كثيراً، امتلأ جبينه بالعرق، ارتجفت يداه، بذل معلن خفض عينيه نحو الأرض، لم ينطق بكلمة
– مع السلامة.
قلت للاثنين وتركتهما.
كانت مجموعة من السيارات واقفة قرب المقر. الرجال المسلحون كانوا قد استعدوا للقتال.
فجأة ارتفع صوت ملا بلحيته البيضاء وهيئته الوقورة:
– هيا ايها الشباب، هيا ايها الشجعان، هذا يوم كل من يملك الغيرة والناموس… شهيد من يموت اليوم في سبيل ارضه وعرضه.. شهيد من يسقط في هذا اليوم في سبيل كرامة وطنه… هيا ايها الكرد يا احفاد الشيخ سعيد پيران والبارزاني الخالد.. هيا يا احفاد كاوه هيا الى السيارات وقاتلوا العدو اللئيم الهزيل الذي انهكه التعب والجوع.. هيا يا عشاق الكرداتية، هيا يا احباب كردستان… سلمت اياديكم يا والادي… لينصركم الله، وليقضم ظهر عدوكم.. هيا يا شجعان الكرد، رافقتكم السلامة.
كان خطاب الملا مؤثراً جداً، واعطى للمقاتلين قوة اخرى لكي يسرعوا الى السيارات التي ستقلهم الى قلب الگهلی.
حينما اردت ان تستقل الكوستر، وقف امامك الصحفي ريتشارد بكامرته وشعره الطويل وقال لك بالانگهلیزية:
– هل بأمكان الپارتي ان يوفر لي سيارةً الى الگهلی؟؟ اريد ان اصور الحدث.
– سأسأل..
اخذته معك الى داخل المقر وقلت للشاب الذي يتمتع بمسؤولية ما:
– هذا الصحفي يود تصوير المعركة، هل بالأمكان توفير سيارة له؟
– من قال لك ان تأتي به الى هنا؟ ألا ترى حالنا؟
– بلى اني ارى حالكم الذي يرثى له، وكيف تصطدمون ببعضكم مثل المذهولين ولا تعرفون كيف ستتصرفون.
– اذهب.. اذهب ليش وقته الآن.
مسكت يده وسحبته نحو سيارة كوستر كانت على وشك الأنطلاق. نظرت حولك في داخل السيارة، رايت احد اصدقائك، القيت عليه التحية.
انطلق السائق ورفع صوت المسجل فكان يتراءى لك الفنان الثوري شڤان وانت تنصت بخشوع الى اغنيته الحماسية (ههرنه پێش) تقدموا..تقدموا.. اليوم يومكم.
* * *
حينما فتحت النافذة قربك، قبلك النسيم في ذلك الجو الملتهب، ببطء كنتم تودعون بيوت حي الحسينية، كان ريتشارد من خلال كامرة الفيديو يصور زاخو.
حينما اقتربت السيارة من راس الحي قرب ضفة الخابور العاصف، قال الشاب الواقف قرب باب الكوستر للسائق والذي كان قد نبتت شعيراء صفراء لتوها في وجهه.
– بالله عليك انتظرني لدقيقة واحدة لا اكثر، ساجلب بندقيتي من البيت وآتي.
قفز من السيارة قاصداً البيت، وبلمح البصر خرج حاملاً بندقيته، وصوت امه يصلنا:
– انتبه لنفسك يا ولدي، هيا بسرعة التحق بابيك واخويك.
– هذا ما سافعله يا اماه..
نظر الرجل المحمر الوجه من خلال البرنو والذي كان يبدو من قسمات وجهه انه بیشمرگه قديم وقد خبر الحياة، الى الشاب المشتاق للحرية الذي صعد السيارة فرحاً وقال له:
– ستكون كردستاننا بخير وعز طالما تزدهر بالشباب من امثالك بارك الله فيك يا ولدي.
قبل ان تجتازوا الجسر ما كنت تستطيع الا تنظر الى امواج الخابور، كانت اشعة الشمس ترقص بجنون على سطح الماء، التفت نحو الخابور وقلت له في سرك:
– ساعود ثانية وسأرتوي من مائك دوماً.
في رأس محلة الكندك ايضاً كان الرجال يجتمعون ويقصدون الگهلی سيراً على الأقدام، كانت دموعك تنهمر م الفرح وانت تشاهد هذا المنظر الرائع.
حينما تركتم نقطة التفتيش خلفكم، احنت الصخور والأشجار في مدخل المدينة رؤوسها لكم، وبطريقتها الخاصة قدمت التحية، فوراً عدت الى الوراء، وكانت الكلمات التي كنت قد كتبتها في ربيع اربع سنوات مضت في الموصل بعنوان (طريق الشمس) تنتظم في داخلك واخذت تعيدها ثانية لجمال كردستان وطبيعتها.
ها انا ذاهب لخط النار
كما الشجعان الاسود
لاحمي الوطن العزيز
من حقد العدو اللئيم
لكي يواصل اطفالنا بناء بيوت الرمل
قرب ضفاف الخابور
وليبتسوا دوماً لنا
وللثلج الناصع البياض
النائم فوق الجبل الابيض
* * *
حبيبتي
قسماً بجمال عينيك
ولا أعز من عينيك
إلا الوطن
وروحي فداء للوطن
لو عدت سالماً بكبريائي
لو عدت بالغناء والحرية
سأحيك لك من خيوط القمر شالاً
اطوق به خصرك السبينداري
الذي لم ارتوي منه بعد
بيديّ هاتين اللتين تفوح منهما
رائحة البارود والحرب
* * *
حبيبتي
ساصنع لك من شعاع الشمس قلادة
واغمسها في ماء الورد
اكراماً لرقة رقبتك
التي ينبع منها الجمال
لكي تبقى دوماً
سيدة الحب
وروعة الحياة
يا حبيبتي
* * *
لكن لو اشتاقت الارض لي
ونادتني
واحتضنتهان وقبلتها، شممتها
من الاعماق بجنون
وكتبت بدمي اسمي
انا الابن البار للكرد
حفيد الشجعان
فتى الجبال
وحلقت عالياً روحي
على اجنحة الحمامات البيض
بفرح وحبور
بغناء وسرور
الى سماء العالم الآخر
ورأيت بريق دمي
لا تابهي ابدا
ولا تحزني
فغداً صباحا
ستنتشر روحي مع عين الشمس
سيغدوا لقمر الليل
لسناً ابيض كالنور
وسيقول لك
ولاصدقائي
ورفاق الجبل
بصوت لا مثيل لهك
انا حي لا اموت
انا قبج جبلي سأشدو
دوما قرب قمم جبالي
ساشدو واطير دوماً
ولن اموت ابداً…
***
قرب تلال قرية (حسن ئاڤا) كان بامكانكم سماع صوت انفجار القنابل المدوية. تمعنت انلظر كثيرا في بقايا القرية..كنت تود ان تسال شجيراتها التي دمرت منذ اكثر من ثلاثين سنة.. يا لهذه السنين التي اجبرت اهالي القرية على تركها رغما عنهم!! منذ سنين وهذه الرقة مشتاقة لرؤية شبابها وصبيانها..ما تزال القرية في انتظار مناجل فلاحيها..
– هل اقتربنا من ميدان المعركة؟
هذا ما قاله الصحفي ريتشارد الذي وضع كامرته فوق فخذه واخرج دفتراً من جيبه.
التفت حوله وقلت له:
– لا نزال بعيدين عن ميدان المعركة، حينما نغدو في عمق الگهلی سنقترب من حدود النار.
– هذه اثار قرية، اليس كذلك؟
– اجل هذه قرية حسن ئاڤا، انظر كيف كان النظام الهمجي قد اتخذ منها مقراً عسكرياً.
بهدوء كان القلم ينساب بين اصابعه على الدفتر الصغير، لم تعلم ماذا يكتب.
رفع راسه عن الدفتر وقال لك:
– هل ان قواتكم هيأت مستلزمات الدفاع والقتال؟
تصارعت امواج الحسرات القاتلة في داخلك. ماذا تقول له؟ ماذا خفي عنه؟ هل تقول له انا كنا في نزهة؟ وفي نشوة الانتصار نسينا ترتيباتنا الدفاعية؟ هيا ايها اللاوك قل له ما تراه مناسباً، وانقذ نفسك من هذا السؤال الكبير.
– اجل، اجل وسترى ذلك بام عينيك.
هز راسه وهو يلتفت يميناً ويساراً:
– يا لجمال موطنكم، هذه الاشجار الخضراء والصخور الجميلة تستحق ان يضحى من اجلها..اتمنى لكم السعادة في وطنكم.
– شكراً لامنيتك ونحن على يقين انها تستحق وان طال الزمن.
– اني ارى آمالاً لاحدود لها في عيونكم.
– لاننا اصحاب حق ولا نريد غير حقنا في ارضنا.
حينما اقتربنا اكثر من عمق الگهلی بدات انوفنا تستقبل رائحة البارود والقذائف الصارخة بغضب.
***
– حقاً اين انت الان يا عروبة بركات؟ هل دونت انطباعاتك عن جولتنا الحرة بين الناس والبیشمرگه؟؟ والصور اللتي التقطيتها للمدينة، هل ستصل المجلة؟
هل انت تتخيلها وهي تستغيث الان ببراءة، لكي تجد لها مخرجا من هذه الحالة الحرجة التي هي فيها الان، يا للاسى الذي يحاصرها الان!! حتماً ان العم عبدالله قد هب لنجدتها..
منذ الوهلة الاولى التي رايتها فجاة بين صفوف البیشمرگه، في مقر العمليات وهي تتحرك بخفة وثقة بالنفس، وقبل ان تتجه نحوكم في غرفة اعلام الصغيرة، وتلتقط لكم الصور، احسست بهدوء تام.. وما ان طرحت اسئلتها عن الانتفاضة، واجاب عنها الزملاء..حتى كنتما تحسان انكما قريبان من بعض.. دعوتهما لجولة حرة في زاخو برفقة بيار.. زرتما السوق، المقبرة، الخابور، جسر دلال، التقطما بعض الصور معاً.. اصرت ان تكسر القاعدة الكردية في الضيافة.. دعتنا لتناول الطعام في غرفتها في فندق بغداد..بدا للكباب الذي بين ايديكما نكهة اخرى، حين بدا الكام في الادب والثقافة… كنتما انت وبيار طلقين في الكلام وفرحين جداً، لانها كانت تشعر بالامان معكما…
شرحت لكما بشوق قصة عبورها النهر بقارب خشبي، والخوف الذي انتابها اثناء ذلك، وكم كانت لابتسامتها اشراقة، وهي تتحدث بحب وسرور عن البیشمرگه الذين استقبلوها بود واحترام..كان الفرح يسافر في ارجاء الغرفة وهي تصف تلك اللحظات التي قبلت عيناها جمال الجبال الكردستانية وهي تشم رائحة الازهار النوروزية البهية الملونة.
لن تستطيع ابدا ان تنسى كلماتها الرقيقة:
– كم انتم طيبون يا اهل كردستان!!
يا بنت بركات اتمنى ان تكوني بخير الان..وحتماً سنلتقي، هذا ما يقوله القلب، وانت تعلمين ان القلب نادراً ما يخطأ.
***
ما الذي ايقظ ذاكرتك الان؟
ما الذي دفع باحداث اليوم الأول للانتفاضة في مالطا بالاستيقاظ من نومها؟؟
هل هو هذا التشكيل الهندسي الجميل من المقاتلين الصبيان الذين لا تتجاوز اعمارهم السادسة عشر، وهم فرحون ببنادقهم المشرعة لفتح النار، والماضون قدما صوب الشمس بثبات!! يا لانطلاقتهم وغبطتهم؟!
– كم هم فرحون!! اهم ذاهبون الى استعراض مدرسي؟!
هذا ما قاله رتشارد، وهو يصورهم بشوق.
تذكرت اللحظات الخالدة التي ا تنسى لليوم الأول للانتفاضة في 14/3/1991 في مالطا، كيف استولى الصبيان والرجال والنساء قبل ان تشرق الشمس على لمعسكر الواقع خلف بساتين اللوز قرب ماسيكي واكوام البنادق التي كان يحملها الصبية وهم يغنون معاً:
تحيا كردستان..تحيا كردستان.
كان منظر الجنود البائسين يدعو للرثاء والأسى، وعلامات الخوف والحيرة والذهول بادية في وجوههم التي غادرها الدم.. كانوا يتوسلون بالاهالي ايواءهم واطعامهم، كان تصرفاً حسناً، حينما قدمت بعض البيوت بعض الخبز والجبن واللبن والشاي الساخن لهم. وهم يلعنون النظام واساليبه القمعية في زرع الحقد والفتن بين الناس.
لن تغادر ذاركتي قط، منظر (زهلو) وهي متحزمة بالعتاد والرمانات وبندقيتها مصوبة صوب السماء، وهي ترقص وتغني:
ئهم پارتينه، پارتينه، لێ يادێ لێ يادێ.
حتى اشجار اللوز استيقظت من نومها مبكراً، وبدات اوراقها واغصانها ترقص بهدوء ودلال مع صوت زةلو ورفيقاتها المقاتلات اللواتي ودعن اليوم المطبخ وحلب الاغنام.. يا لروعة المشهد..يا لسحر الحرية!.
ستبقى مشاهد الشموخ لرجال الانتفاضة في ذاكرتك ما حييت.. كانت مالطا قد غدت قلعة للصمود والبسالة. كان الرجال قد وضعوا المتاريس في الشارع الرئيسي واتخذوا اماكن مخفية لهم قربها..كان تل مالطا الاثري قد غدا نقطة ادارة العمليات..ومن هذا التل كان ينطلق رصاص الموت، نحو صدور ازلام النظام الهاربين من دهوك والذين نجوا من قبضة الثوار..كان الابطال لهم بالمرصاد، فالسيارات التي احترقت والتي انقلبت او اصطدمت بالاشجار، كانت تروي قصة ارتباكهم اللامحدود، وعنترياتهم الجوفاء.
– الى اين يا ازلام النظام، مالطا مقبرتكم الاخيرة..
لقد تلون هذا التل بدم اول شهيد يسقط في مالطا، الفنان الشاب ماجد عاشق المسرح والرسم، الذي اصر على ان يحمل بندقيته اليوم بدلاً من قناع المسرح او فرشاة الرسم..
ماجد ايها العزيز، كلماتك الخالدة لن تنسى (لتحيا كردستان..روحي فداء لكردستان..).
ماجد، شظايا المدفعية الهمجية التي اثقبت صدرك المفعم بالحب والشوق للارض، الهبت مشاعر المنتفضين واسقطت عشرات القتلى من ازلام النظام المرعوبين الفاريين..
لك المجد يا ماجد، لك الحب يا من رويت الارض بالدم الطاهر.. ماجد ايها الرائع، ها نحن اليوم ننعم بالحرية وبالشمس وسنسلك دربك دوماً..
توقفُ السيارة، اعادك من عالم الذكرى، الى ارض الواقع ثانية.. تقدم المقاتلان المسلحان من السيارة.
– ليكن الله في عونكم، ترجلوا من فضلكم.
قالها الشاب ذو البشرة السمراء، واضاف باسماً:
– يا هلا بالرجال الرجال، يا اهلاً بعشاق الجبال.
خاطب المقاتل الاخر الشائف بلطف وادب:
– ليتك تسرع الان بالعودة الى زاخو يا اخي، وتساهم في نقل المقاتلين الى هنا.
اخرج السائق سيكارة من باكيته وقدمها للمقاتل:
– على عيني، انا والسيارة فداء لهؤلاء الشباب الحلوين، خذ هذه السيكارة.
– – شكراً لك، هيا اسرع، نحن في انتظار وجبة اخرى من المقاتلين.
بناء على طلب نقطة الاستقبال، انقسم الجمع الى فريقين، فريق سارباتجاه يمين الشارع والاخر باتجاه اليسار قاصدين الالتحاق برفاقهم الذين سبقوهم في اتخاذ مواقعهم الدفاعية..
ظل ريتشارد ملازماً لك، حينما ارتقيتما التلة المزدانة بالشجيرات الصغيرة، بدت لكما اكوام من صناديق العتاد التي يشرف عليها شابان غارقان في العرق من قسوة الشمس الساطعة.
رَبَتَ ريتشارد على كتف اجدهم وقال له:
– هل ستقاومون المدفعية والدبابات بهذه الاسلحة التقليدية؟
– نعم سنقاومها وبكل شراسة، لنا اسلحة اخرى في المقاومة ستراها.
– Good
ازيز قذيقة اجتازنا، سقطت القذيفة خلفنا بمئات الامتار، لدقائق ارتفع دخان التراب من نقظة سقوطها، ثم تلاشى عن الانظار، التقط ريتشارد المشهد، وصوب كاميرته نحو مجموعة اخرى من الرجال القاصدين الجبل وقال:
– اني محظوظ لكوني هنا، هذه فرصة العمر بالسنبة لي.
– ستشتهر يا ريتشارد وستكون لتقاريرك المصورة اثراً ايجابياً لنا.
– انا واثق من ذلك، ان لم تصدني قذيفة مجنونة!!
– حتى القذئف تخشى من كاميرتك، لا تخف مطلقاً.
***
ازدادت الكثافة النارية للمدفعية المعادية الموجهة للگهلی، بشكل همجي لا حد له.
كانت القوات النظامية العراقية بآلياتها الثقيلة، ومعداتها الحربية قد عسكرت في سهل السليفاني، وكانت بعض الدبابات وناقلات الجنود ومدافع 106 المملة في سيارات الجيب تتقدم بحذر من مفرق گرشین، ترافقها قوة مشاة تنتشر لمساحات واسعة حولها.
كانت الدلائل تشير ميانياً الى ان الجيش سيبدا هجومه لاختراق الگهلی واحتلال زاخو التي ما تزال صادمدة. بدا ان الطائرات العمودية ايضا بطلعاتها الجوية وفتح نيرانها باجاه قوات البیشمرگه.
كانت لنا دوشكتان، احداهما في (كهرڤين) اعلى قمة في الگهلی، ويديرها بیشمرگه متمرسون.. والاخرى في المرتفع المطل على الشارع الرئيسي، والذي كان النظام قد اتخذه سابقاً معسكراً له، وكانت قريبة من الموقع الذي نحن فيه.. كان البیشمرگه قد نصبوا مدفعين 120 ملم، الاول في الفسحة المسيطرة على الگهلی، والمواجهة لحقول الازهار الحمراء، التي زينت الارض الخضراء، كان مجال الرؤيا مفتوحة لسحق القوات التي تحوال البدا بالتقدم. والمدفع الثاني كان على يساره بما يقارب الثلائمائة متر وعلى مرتفع، كانت قوتنا قد تمركزت بشكل دقيق في مدخل الگهلی ومرتفعاته المطلة على السهل، وعلى جناحي قرية(كولي) من اليمين وقرية (ترکژا) مسقط راسي من اليسار..كان عدد قاذفات ال RBG لدى البیشمرگه لا يعدُن وعدد الهاونات ايضا لا باس به في المرتفعات. كانت الاومار للقوات المنتشرة على جناحي الگهلی واضحة وصريحة بعدم فتح النار مطلقاً، والغش والاختباء بدقة، لحين اقتراب قوات العدو، بحيث تكون هدفاً سهلا لاسلحتهم، ومباغتتهم بشراسة لتحقيق عنصر المفاجاة واحباط معنوياتهم وانتزاع النصر منهم.ز
ونحن نقترب اكثر من موقع الدوشكا المضاد للطائرات، اقبل نحونا بشوق الاصدقاء وحيد و حين حاجو اللباخ وابن عمه وعمر ومقاتل اخر. كان التعب باديا على وجوههم، ابتسمنا لبعض، واتفقنا على ان نكون معاً، حقاً احسست بشيء من الراحة النفسية بوجودهم..ما ان وصلنا الى موقع الدوشكا الذي كان طاقمه يتكون من ثلاثة شبان في مقتبل العمر، حتى ظهرت طائرة هليكوبتر في سماء السهل، واقتربت بعض الشيء من مدى الرمي في الگهلی، اطلق عليها البیشمرگه عددا من قافات الـ RBG وفتحت دوشكا (كةرفين) نيرانها الحارقة باتجاهها، وكذلك فعل طاقم الدوشكا الذي كنا معهم، الا ان الطائرة اقتربت اكثر وفتحت نيرانها باجاهنا، حينها ترك الرامي الدوشكا، وانبطح الاخرون ارضاً، القت الطائرة حمولتها، وعادت ادراجها..
قلت بهدوء للرامي:
– لا تطلق النار الا اذا اصبحت الطائرة في مدى الرمي، لا تترك الدوشكا ابداً، فالطيار بشر مثلنا، وهو يدرك ان الدوشكا رمبا ستصيده.. واجه الطائرة بلا تردد وسترى كيف سيهرب الطيار بطائرتهن والا فاتركها لين لاني قد مارست القتال على صنوف متعددة من المدافع المضادة للطائرات اثناء خدمتي العسركية..
ابتسم الشاب ومسح العرق من على جبيبنه وقال:
– والله لو مزقتني الطائرة الة قطع متناثرة، لن اترك الدوشكا، وساواجهها بكل ما املك من كبرياء.
حينها لم تتمالك نفسك من الغبطة، تقدمت نحوه، قبلته من جبينه، وقلت لهك
– سيكون النصر لنا.
اشتد اكثر صراخ القذائف الطائرة في الجو.زسمعنا صوت استغائة ياتي من المرتفعات خلفنا/
– ساعدوني، لقد استشهد اخي.
هب عدد من المقاتلين القريبين منه الى موقع الحادثن وبسرعة حمله اثنان، كانت شظايا القذيفة الملعونة المتناثرة قد اصابت راس ذلك الشاب الذي فارق الحياة فوراً. وحين اوصلوه الى الشارع العام لنقله الى زاخو، صاح اخوه.
– خذوا اخي الى زاخو، وانا سأواصل القتال والانتقام..
سمعنا هدير محركات الطائرة المروحية ثانية، وهي تحلق نحو الگهلی مباشرة. اطلقت باتجاهها بعض قذائف RBG لم يفتح الشاب الجالس على مقعد الوشكا النار على الطائرةن وتمالك اعصابه، حتى اقتربت كثيراً من الگهلی، واصبحت في مدى الرمي القاتل، وقبل ان تفتح هي النارن وجه المقاتل اليها صلية دقيقة ومركزة، كادت ان تصبها، لولا ان الطيار انحرف بطائرته في اللحظة المانسبة مولياً الادبار وملقياً بحمولته في الجو بشكل عشوائي والخوف ينتابه..
وارتفع صراخ البیشمرگه فرحاً يملا كل ارجاء الگهلی:
– احسنت ..احسنت ايها البطل..
تفتحت الورود في خد الرامي والاثنان الاخران معه، وقال الرامي بشجاعة معلنة:
– ليأت ابن الكلبة ثانية، والله ساحرق الطائرة في الجو هذه المرة..
كانت القوات البرية العراقية تتقدم بحذر نحو جناحي الگهلی، تحت اسناد نيران المدفعية الثقيلة وصراخ قذائف الراجمات والدبابات التي كانت ترى بوضوح..
صدرت الاوامر من قيادة عمليات البیشمرگه لراميي المدفعين في الگهلی بفتح النار على رتل الدبابات المتقدمة.. وادركنا ان ساعة الصفر قد اقتربت، حينها كانت الشمس تقترب بخجل من مشارف فيشخابور، وتحاول الهرب من ساحة النار..
لم تكتمل الدقيقة الاولى بعد الساعة مساء، حينما اطلق المدفع الاول لنا، اطلاقته الاولى صوب رتل الدبابات..سقطت القذيفة على يمينهم بامتار عدة..اخذ الرامي يدور حول نفسه على رجل واحدة، مصفقا بيديه وهو يرقص طرباً..
– والله لاصيدنكم الواحدة تلو الاخرى. هيا يا سگڤان املا المدفع من جديد.
حينما كان سگڤان يضع القذيفة الثانية في المدفع، بذا المدفع الثاني يعزف سمفونية العزاء الاخير للغزاة، واخذ يدوي بشدة مخلفا دائرة متطايرة من الغبار والترابن تعالت زغاريد البیشمرگه، حينما اصابت القذيفة دبابة في المقدمة، اشتعل فيها النار، ارتبك مسير رتل الدبابات وتفرق الرتل بشكل فوضوي، اطلق البیشمرگه بعض القذائف في الهوء فرحا، لرفع معنويات المقاتلين اكثر.
– لقد اصبتها، لقد احرقتها..
تعالى صياح الرامي وهو يقبل البیشمرگه بالقرب منه:
– هيا احشو المدفع ثانية، سنعلمهم درساً لن ينسوه ادباً..
بدا المدفعان بالرمي المتواصل على الآليات، وسقطت قذيفة اخرى وسط حماية القائد العسكري وضباط اركانه، واصابت شظاياها المتطايرة عددا منهم، مما اربكهم وزاد من قلقهم، وجعلهم يتراجعون الى الخلف..
صدرت الاوامر للبیشمرگه المختبئين قرب ترکژا والاخرين في اخدود الةادي على يسارهم بمهاجمة القوة البرية التي اصبحت في مرمى اسلحتهم والتي كانت تتقدمها سيارة جيب عليها مدفع 106 ملم.
انفتحت نيران البیشمرگه من الطرفين في آن متقارب نحو المشاة الذين كانوامرصودين من لحظة تحركهم، وارتفع عويل الجنود وصراخهم من شدة المفاجاة والذهول الذي اصابهم، سقط العشرات منهم في الحال قتلى وجرحى ورمى الاخرون اسلحتهم ورفعوا ايديهم في الهواء معلنين الاستسلام:
– بخت الله وبخت ملا مصطفى لا تقتلونا.
– الله يخليكم احنا جنود مشاكين، مو بيدنا جينا هناز
– آخ..آخ..ارجوكم اسعفوني.زرجلي مصابة.
في لحظات كانت سيارة الجيب بمدفعها في قبضة البیشمرگه وتم اسر آمرها وطاقمها، وصدر الامر حالا باخذها الى زاخو، لزرع الثقة والاطمئنان في نفوس الناس.
واصل البیشمرگه تقدمهم نحو السهل بعد ان تم تعطيل دور قوة المشاة بصورة كاملة، وتم اسر اكثر من سبعين جندياً خلال اقل من نصف ساعة.. وتم ترتيب امر احتجازهم ورعاية المصابين منهم لحين تسفيرهم الى زاخو..
اشتد اكثر صراخ مدفعيتنا باتجاه ىلياتهم ودباباتهم، وكذلك ساهمت الهوانات المتقدمة مع القوة المهاجمة بالحاق الهزيمة في بقايا القوة المنهارة، والتي بدات دباباتها وآلياتها بالتراجع والهرب من ساحة المركة وولت الأدبار بأتجاه مفرق گرشین وفيشخابور..
كان الظلام قد خيم على ساحة المعركة، حينما كان البیشمرگه يواصلون تقدمهم سيراً على الأقدام باتجاه الفلول الهاربة. كانت الأنباء السارة وسيارة الجيب والجنود السرى، واخبار الگهلی قد وصلت الى زاخو، وهرع الناس بارسال الطعام والخبز الى البیشمرگه، حيث كانت بعض القلاقل قد حدثت عصراً في زاخو من قبل بعض العناصر الحاقدة، هكذا اعلمنا سائق القلابة التي جلبت لنا العشاء والخبز، تناولنا العشاء على عجل واحسسنا لاول مرة بان للبرغل طعماً لذيذاً جداً، حيث كنا جائعين الى حدٍ لا يوصف..
واصلنا المسير طويلاً وكانت مجاميع اخرى سبقتنا، حيث كانت تحت امرتهم بعض الآيات.
كانت القوة العسكرة الهاربة، قد تركت بعض الجرحى في مقر وحدة الميدان الطبية وهم يئنون تحت ثقل آلامهم في الموقع القريب من مفرق گرشین، حين وصلنا اليها شاهدنا الجرحى وهم يتوشلون بنا الرحمة والرعاية. كانت الوامر مشددة جداً بضرورة عدم ايذاء الجرحى والاسرى ومعاملتهم بشكل انشاني وما يتلائم مع الاخلاق الكردية.
اسرعنا لتفحص الصناديق الكبيرة، وكانت فرحتنا كبيرة، حين وجدنا كميات كبيرة من الادوية واللقاحات وبعض المعدات الطبية، حيث تم نقلها فوراً الى زاخو، وذلك للنقص الحاد في الادوية في المشفى الرئيسي. كان الليل قد انتصف والنجوم كانت تلألأ في كبد السماء.. ومعظم قواتنا كانت ما تزال في مفرق گرشین، وكانت علامات التعب والارهاق بادية على الجميع..
لم نتمكن من ملاحقة القوات الهاربة اكثر من هذا الحد بسبب النقص في الآليات، وتراجع بعض المجاميع والعودة الى زاخو، بعد انتشار خبر ترك الاهالي المدينة والتوجه صوب الجبال .
التقطت بطانية من وحدة الميدان الطبية وكذلك فعل الثلاثة الآخرون معي، حيث كان البرد يغزو اجسامنا في هذا السهل الشاسع الذي طهرناه من اقدام الغزاة.
وقررنا العودة الى زاخو ايضا سيراً على الاقدام، حيث كنا منهوكي القوى وبالكاد نستطيع السير، وفي الطريق توقفنا عدة مرات للاستراحة، حيث خارت قوانا البدنية بشكل كبير ، حينما وصلنا مشارف زاخو، بدأت خيوط الفحر الاولى تنتشر في المدينة التي كانت شبه مهجورة والخابور كان يغني:
– لكم المجد يا شبان الأنتفاضة.