سالي علي
في الحروب الكبرى، تظهر دائمًا خرائط إضافية لا تُنشر على الطاولة العلنية. من بينها ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية الغربية بـ“الحضور الكردي” داخل إيران.
التقارير التي تحدّثت عن تواصل بين Donald Trump وكل من مسعود بارزاني وبافل طالباني أعادت هذه الفكرة إلى الواجهة: هل يمكن استخدام الجغرافيا الكردية كرافعة ضغط في المواجهة مع طهران؟
لكن بين التصور النظري والقرار الفعلي مسافة معقدة.
إسرائيل، بقيادة Benjamin Netanyahu، تنظر منذ سنوات إلى البنية القومية داخل إيران باعتبارها نقطة هشاشة محتملة. الكورد، بحكم انتشارهم الحدودي وتاريخهم السياسي، يُدرجون غالبًا في هذا السياق. غير أن الرهان على “انتفاضة” ليس معادلة رياضية يمكن تشغيلها بزر.
البيشمركة ليست قوة عابرة للحدود تبحث عن ساحة جديدة. إنها جزء من المنظومة الأمنية لـ إقليم كردستان، ووجودها مرتبط بتوازن داخلي عراقي وإقليمي دقيق. تحريكها خارج هذا الإطار يعني تغيير طبيعة دورها بالكامل، وتحويل الإقليم من عقدة استقرار نسبي إلى طرف اشتباك مباشر.
ثم إن الداخل الإيراني ليس فراغًا ينتظر إشارة خارجية. للكورد هناك تنظيماتهم وسياقاتهم الخاصة، وأي تحرك عسكري يُقرأ باعتباره امتدادًا لإرادة خارجية قد يفقده مشروعيته المحلية قبل أن يبدأ.
هناك أيضًا عنصر لا يُقال كثيرًا: الاقتصاد.
إقليم كردستان يعتمد على معابر وحدود وتجارة متشابكة. أي تصعيد مفتوح سيعني شللًا في الشريان الحدودي، في وقت لا يحتمل فيه الإقليم هزة اقتصادية جديدة.
الخطاب الإعلامي قد يُضخّم فكرة أن آلاف المقاتلين على الحدود يعنيون استعدادًا فوريًا للحرب. الواقع أن وجود قوة على الحدود لا يعني نية عبورها. الحدود في أوقات التوتر تتحول إلى خطوط ردع، لا منصات انطلاق.
في السياسة الإقليمية، أحيانًا يُستخدم اسم طرف ما كورقة تفاوض دون أن يكون ذلك الطرف قد قرر اللعب أصلًا. هذا الاحتمال وارد هنا: أن تكون “الورقة الكردية” جزءًا من رسائل ضغط متبادلة بين واشنطن وطهران وتل أبيب، لا مشروعًا ميدانيًا جاهزًا.
أما القرار الكردي الحقيقي فلا يُصاغ في عناوين الصحف، ولا في رهانات الآخرين. يُصاغ حيث تُحسب كلفة الدم قبل كلفة السياسة، وحيث يُوزن الاستقرار بميزان الذهب لا بميزان الشعارات. وفي لحظة إقليمية شديدة السيولة، قد يكون أكثر أشكال القوة هو الامتناع عن الانجرار، لا إثبات القدرة على الاشتباك.