د.ايناس فيلي
دكتوراه مبادرة وريادة أعمال
مدخل استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل
يشكّل اليوم الوطني لريادة الأعمال في الرابع من أيار محطة رمزية ذات بعد اقتصادي عميق في العراق، إذ لا يقتصر على الاحتفاء بروّاد الأعمال بوصفهم أفرادًا ناجحين بل يتجاوز ذلك ليعكس توجّهًا نحو إعادة تعريف النموذج الاقتصادي الوطني والانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كلية على العوائد النفطية إلى اقتصاد متنوع قائم على المبادرة والابتكار والقطاع الخاص المنتج تؤكد الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن ريادة الأعمال تمثل أحد أهم محركات النمو المستدام لما لها من أثر مباشر في خلق فرص العمل ورفع الإنتاجية وتحفيز الابتكار وتعزيز التنافسية ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تشكل ما يقارب 90% من الشركات عالميًا وتسهم بأكثر من 50% من فرص العمل ما يجعلها ركيزة أساسية في أي استراتيجية تنموية كما يوضح تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) أن البيئات التي تدعم المبادرة الفردية تسجل معدلات أعلى في النمو الاقتصادي طويل الأمد.
في السياق العراقي تبرز أهمية ريادة الأعمال في ظل تحديات بنيوية تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة ولا سيما بين الشباب والخريجين واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل إضافة إلى محدودية القطاع الخاص في استيعاب الطاقات المتزايدة وعليه فإن تمكين رواد الأعمال لا يُعد خيارًا تكميليًا بل ضرورة اقتصادية وأمن اجتماعي في آن واحد اقتصاديًا تسهم المشاريع الريادية في:
أولًا: تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على قطاع واحد.
ثانيًا: تحفيز الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي.
ثالثًا: تعزيز سلاسل القيمة المحلية وربطها بالأسواق الإقليمية.
رابعًا: دعم الاستقرار الاجتماعي من خلال توفير فرص دخل مستدامة غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بيئة مؤسسية داعمة تتسم بالوضوح التشريعي وسهولة الإجراءات وإتاحة التمويل الميسر وتوفير الحاضنات ومسرّعات الأعمال فضلاً عن إصلاحات هيكلية في النظام المصرفي بما يسمح بتمويل المشاريع الناشئة وفق معايير جدوى اقتصادية لا ضمانات تقليدية فقط.
كما أن التحول نحو اقتصاد ريادي يتطلب إعادة صياغة الثقافة الاقتصادية المجتمعية عبر إدماج مفاهيم الريادة في المناهج التعليمية وتشجيع البحث التطبيقي وربط الجامعات بالقطاع الخاص بما يخلق منظومة متكاملة للإبداع والإنتاج إن الاحتفاء باليوم الوطني لريادة الأعمال ينبغي أن يترافق مع تقييم موضوعي للبيئة الاستثمارية وقياس مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال ودراسة معوقات التسجيل والتمويل والضرائب بما يفضي إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ فالدعم الخطابي وحده لا يبني اقتصادًا بل السياسات المتكاملة والمؤشرات القابلة للقياس هي التي تصنع التحول الحقيقي
ختامًا
يمثل الرابع من أيار فرصة لتجديد الالتزام الوطني ببناء اقتصاد متنوع، تنافسي قائم على المعرفة يُعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، ويمنح الشباب دورًا فاعلًا في صياغة مستقبل البلاد فريادة الأعمال ليست مشروعًا فرديًا فحسب بل مشروع دولة تسعى إلى الاستدامة والعدالة الاقتصادية في آن واحد.