الاكتئاب.. أكبر التحديات الطبية

كمال عبيد

يعد الاكتئاب من أكثر الأمراض العقلية شيوعا، إذيؤدي في أسوأ الحالات إلى الانتحار ويقضي علىمليون شخص سنويا، وبحسب احصاءات منظمةالصحة العالمية يوجد أكثر من 350 مليون مصاب بهفي العالم، وهو مرض قد يدمر حياة المرضى لعقوداذا وصل إلى أسوأ مستوياته اذ يؤثر على علاقاتهموأعمالهم وقدراتهم المعيشية. وقد يؤدي ايضا الىالانتحار وهو المسؤول وحده عن مليون حالة وفاةسنويا.

وتعددت الدراسات والأبحاث حول مرض الاكتئاب انالصبية في سن المراهقة الذين تظهر عليهم مجموعةمن اعراض الاكتئاب وفي نفس الوقت ترتفع لديهممستويات هرمون الكورتيزول المسبب للتوتر يزيدلديهم احتمال الاصابة بالاكتئاب السريري 14 مرةمقارنة بمن لا تظهر عليهم هذه الاعراض، وهذا يشيرخطورة هذا المرض ليس عند كبار السن فقط وانماعند الصغار ايضا.

لكن يرى بعض الخبراء والاطباء أن الاكتئاب يؤثرعلى عدد كبير من الاشخاص المسنين، فعلى الرغممن فعالية العلاج النفسي وتناول المهدئات المضادةللاكتئاب بالنسبة للبعض منهم، الا ان هذه العلاجاتلا تظهر اي فعالية بالنسبة لكثيرين، كون الادويةالمضادة للاكتئاب غالبا ما تكون مفاعيلها بطيئةونتائجها منقوصة وغير ثابتة. فالشفاءات لا تطالسوى ثلث المرضى.

وفي أحدث طرق العلاج يرى بعض الأطباء النفسيينأن العلاج بالصدمات الكهربائية يساعد على إنقاذالحياة، في حين يرى منتقدون أن له آثارا جانبيةمثل فقدان الذاكرة، وفي بعض الحالات القصوى،إحداث تغيرات في الشخصية.

بينما اظهرت دراسة أخرى ان التحفيز الفكريبالاستعانة بالعاب فيديو على اجهزة الكمبيوتر يمكنان تؤتي بنتائج ايجابية لدى بعض الاشخاصالمسنين الذين يعانون اكتئابا شديدا، حتى انها قدتكون افضل من الادوية.

لكن يجمع اغلب الخبراء والاطباء في هذا الشأن إنممارسة التمارين الرياضية ثلاث مرات أسبوعياالعلاج الانسب لمرضى الاكتئاب، أذ تقلل من مخاطرالاصابة بالاكتئاب بنسبة تصل إلى 16 في المئة كمايتناقص الخطر أكثر مع كل نشاط أسبوعيإضافي، إذ تشير اغلب الدراسات والابحاث فيمجال الصحة أن العلاقة التي تربط بين الاكتئابوالتمارين الرياضية تشير إلى طرق لتحسين الصحةالعقلية والجسدية بالتزامن.

من جانب آخر يوجد نوع من الاكتئاب يسمى بـ بكآبةالشتاء، سؤالا الاهم هو كيف نتغلب على الاكتئابالموسمي؟، أثبتت الأبحاث أنّ الكثير من الأشخاصيعانون من تغير سلبي في الحالة المزاجية أو مايسمى بـالاضطراب العاطفي الموسميخلالأشهر فصل الشتاء، بسبب عدم تعرضهم لضوءأشعة الشمس.

وأشار المعهد الأمريكي للصحة العقلية إلى إنّه هذهالحالة تعتبر بمثابة نوع من أنواع الاكتئاب، أو مايسمى بكآبة الشتاء، وفيما يلي بعض الأعراضالنفسية والجسدية التي تقترن بكآبة الشتاء، ومنبينها، الحزن والقلق، والشعور بالفراغ، ومشاعراليأس، والأرق، فقدان الاهتمام في الأنشطة الممتعة،والتعب، وانخفاض الطاقة، وصعوبة في التركيزوتذكر التفاصيل واتخاذ القرارات، وحصول تغيراتفي الوزن.

في حين حذرت منظمة الصحة العالمية من أن يصبحالاكتئاب أحد أكبر التحديات الطبية التي قد يصعبعلاجها حالياً وفي المستقبل، بل وتتكهن المنظمة فيأن يغدو الاكتئاب ثاني أوسع عبء صحي يستلزمعلاجه في العالم بحلول عام 2020، لكن على الرغممن انتشاره بشكل كبير والخوف غير المبرر منأعراضه وتداعياته، إلا أن إمكانية علاجه الفعالتطورت بشكل سريع في السنوات الأخيرة.

الاكتئاب في المراهقة

في سياق متصل وجد علماء بريطانيون مؤشرابيولوجيا لرصد المعرضين للاصابة بالاكتئاب وقالواانه قد يسهم في التعرف بالاخص على الصبية الذينيواجهون مخاطر الاصابة بهذا الاضطراب النفسي،ونشرت نتائج هذه الدراسة في دورية (بروسيدنجزاوف ذا ناشونال اكاديميز اوف ساينس)، وتقولالدراسة إنه يمكن اجراء فحوص على المراهقينمستقبلا لاكتشاف مثل هذا المؤشر ومن ثم مساعدةالمعرضين منهم لاعلى مخاطر الاصابة بالاكتئابعلى تحسين استراتيجيات التأقلم واللياقة الذهنيةلتنجب الاصابة. بحسب رويترز.

وقالت باربرا ساهاكيان استاذة علم النفس العصبيبجامعة كمبردج والتي شاركت في الدراسةنحنمقصرون للغاية في لاهتمام بصحتنا النفسية ولهذاتشيع كثيرا مشاكل الصحة النفسية، وأضافتالاكتئاب احد اكبر الاعباء العالمية للامراض انهمشكلة اكبر من امراض القلب أو السرطان وهوأعلى تكلفة بكثير“.

وقال ايان جودير متخصص الطب النفسي للاطفالوالبالغين والذي قاد الدراسةالاكتئاب مرض مخيف.. لدينا الان طريقة واقعية جدا لتحديد المراهقينالمعرضين لاحتمال الاصابة بالاكتئاب السريري،وقاس فريق البحث مستويات هرمون الكورتيزول لدىمجموعتين منفصلتين من المراهقين قبل التوصل إلىنتائج الدراسة.

العلاج بمخدر الكيتامين

على صعيد متصل قال علماء بريطانيون حقنوامرضى بمخدر الكيتامين إن العقار الذي يعرف باسم(سبيشال كيه) يمكن في يوم ما أن يساعد المصابينبالاكتئاب الحاد، وتوصل باحثون اختبروا المخدرعلى 28 شخصا يعانون من الاكتئاب الشديد إلى أنالكيتامين ساعد بسرعة على تخفيف الحالة عندبعض المرضى وجعل عددا منهم أصحاء تماما مرةأخرى لمدة عدة أسابيع.

وقال روبرت ماكشين وهو استشاري نفسي وباحثفي جامعة أوكسفورد قاد الدراسة للصحفيينإنهأمر مثير ويبعث على الحماس.. إنها آلية جديدة. لكنها لن تصبح علاجا روتينيا، وأضاف أناكتشاف نجاح الكيتامين حتى ولو على المدىالقصير كان كافيا لمنح بعض المرضى المشاركين فيالدراسة أملا جديدا بعدما كان كثيرون منهم قدفكروا في الانتحار، وقالشهدنا تغيرات ملحوظةلم يقترب منها أي علاج آخر في الأشخاص الذينعانوا من الاكتئاب الحاد لسنوات كثيرة“.

والكيتامين عقار طبي مرخص يستخدم على نطاقواسع كمخدر طبي ومسكن للآلام لكنه يستخدمأيضا كمادة مخدرة ويمكن أن يدفع البعض إلىإدمانه، وتدرس عدة فرق بحثية حول العالم امكانيةاستخدام الكيتامين في علاج الاكتئاب لأن الكثير منالمرضى لم يستجيبوا لمضادات الاكتئاب المتوفرةحاليا مثلا بروزاك وسيروكسات.

وأظهرت نتائج الدراسة التي وردت في دورية علمالنفس الدوائي أن أعراض الاكتئاب انخفضت إلىالنصف في 29 في المئة من الحالات بعد ثلاثة أياممن اخر مرة جرى حقنهم بالمخدر، وقال بعضالمرضى إنهم شعروا بالقدرة على التفكير بحريةللمرة الأولى منذ سنوات وقال أحدهمبالنسبةللبعض فإن أي استجابة حتى ولو بسيطة تبعث فينفوسهم الأمل في أن بوسعهم التحسن“.

خوذة جديدة لعلاج مرضى الاكتئاب

فيما أظهرت خوذة تقوم بإرسال نبضاتكهرومغناطيسية إلى المخ بوادر مبشرة على إمكانيةعلاج الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، حسبماأفاد باحثون دنماركيون، لا يستجيب نحو 30 فيالمئة ممن يعانون من الاكتئاب للعلاج بالأدوية أوالاستشارات النفسية.

ويستهدف هذا الجهاز الجديد خلايا الدم في المخالتي يوجد بها خلل وظيفي، وخلال تجارب سريريه،قال ثلثا الأشخاص الذين استخدموا الخوذة إنأعراضهم قد اختفت، وحدث تحسن ملحوظ فيالحالة المزاجية في غضون أسبوع، وارتدى 65 مريضا يعانون من اكتئاب يتعذر علاجه الخوذة خلالهذه التجارب.

وقام بإجراء هذه التجارب قسم الطب الخلاياوالجزيئات في جامعة كوبنهاغن والمركز النفسي فيهيليرود في منطقة نورث زيلاند.

واستمر المرضى في تناول الأدوية المضادة للاكتئابطوال فترة التجربة التي استمرت ثمانية أسابيع،وقال بريجيت ستراسو كبير الأطباء في هيليرود إنالمرضىشعروا بتحسن، وكان مردودهم جيدا،يمكنهم البدء في العمل، وأوضح انيميت اوفليسنوهو مصمم غرافيك يعاني من اكتئاب متكرر منذ 16 عاما وخضع للتجارب التي أجريت في هيليرود إنالخوذة مذهلة“.

وأضاف بأن ما فعلته هذه الخوذةأشبه بشخصقام بالضغط على زر إعادة الضبط، في إشارة إلىالتغيير الشامل الذي أحدثته هذه الخوذة.

وتحتوي الخوذة على سبع لفائف سلكية تقومبتوصيل جرعة من من المجالات الكهرومغناطيسيةالنابضة عبر الجمجمة (T-PEMF) إلى أنسجةالمخ، وهذه النبضات تكون دقيقة للغاية لدرجة أنالمريض لا يمكن أن يشعر بأي شيء، والأثر الجانبيالوحيد حتى الآن هو غثيانبسيطمن حين لآخريختفي على الفور بعد العلاج.

وقال البروفيسور ستين ديسنغ من كلية كوبنهاغنلعلوم الصحة والباحث الرئيسي الذي صمم هذهالخوذة العلاجية إنهذه الأداة تحاكي المجالاتالكهربية في المخ، وتحفز آلية العلاج الذاتيللجسم، وتنشط هذه النبضات من الشعيراتالدموية في المخ، التي تقوم بتشكيل أوعية دمويةجديدة وهرمونات نمو غير ظاهرة.

وقال البروفيسور ديسينغنعتقد بأنها تعمل بفاعلية،لأننا قمنا بمحاكاة الإشارات الكهربائية التي تجريفي المخ، واكتشفنا بأن هذه الإشارات تتصلبالأوعية الدموية، وأضافبالفعل تتصل الأوعيةالدموية بأنسجة الدم، وقد توصلنا إلى معرفة مسارالاتصال هذا، وخلال التجربة، التي نشرت نتائجهافي مجلةاكتا نيوروبسيكياتريكاالشهر الجاري،خضع 34 مريضا لنصف ساعة من المجالاتالكهرومغناطيسية النابضة عبر الجمجمة مرة واحدةفي اليوم، وحصل 31 مريضا على جرعتين لمدة 30 دقيقة.

ووجد الباحثون فائدة إضافية للعلاج تتمثل فيتمكين المرضى من تحمل الأدوية المضادة للاكتئاب،ويسعى الباحثون للحصول على موافقة الاتحادالأوروبي لتسويق الخوذة في غضون فترة تتراوح بينستة أشهر إلى سنة.

الالعاب الالكترونية اكثر فعالية في معالجة الاكتئاب

في حين عد الاختصاصيون الاميركيون والصينيونبرامج تدريب ادراكية معلوماتية واختبروها على احدعشر شخصا تراوح اعمارهم بين 60 و89 عامامقاومين للعلاج، وذلك بهدف تحسين قدراتهم التعلميةوطاقات الذاكرة لديهم.

وقارن الباحثون النتائج التي حصلوا عليها مع تلكالتي خلصت اليها دراسة اخرى اجريت على 33 بالغا عولجوا بأحد ابرز العقاقير المضادة للاكتئابالمعروف بـايسيتالوبرامبدل علاجهم الذي يستعينبتقنيات الكترونية.

واشار معدو الدراسة الى ان النتائج تدفع الىالاعتقاد بأن هذه التمارين لتحفيز القدرات الفكريةاثبتتفعالية في تقليص عوارض الاكتئاب مشابهةلتلك التي يسجلها عقار ايسيتالوبرام، لكن بسرعةاكبرفي اربعة اسابيع بدلا من 12″، وأكدت ساراموريموتو من معهد الطب النفسي للمسنين فينيويورك والمساهمة في اعداد الدراسة ان “72 فيالمئة (من المرضى) اظهروا شفاء كاملا منالاكتئاب“.

واقر الباحثون بالحاجة الى اجراء دراسة سريريةمكتملة على عدد اكبر من المرضى لتأكيد هذهالنتائج، لكنهم ابدوا املهم في ان تساعد دراستهمعلى اجراء مزيد من الابحاث بشأن العلاجات البديلةللاكتئاب.

ممارسة الرياضة العلاج الامثل

من جهة أخرى قالت قائدة الدراسة سنيهال بينتوبريرا من معهد صحة الطفل في جامعة لندن كوليدجبافتراض أن هذه العلاقة عادية فإن النشاطالجسدي في وقت الفراغ له تأثير وقائي منالاكتئاب، وتابعإذا مارس شخص بالغ بينالعشرينيات والأربعينيات من العمر ولا ينشطجسديا التمارين ثلاث مرات أسبوعيا فبإمكانه الحدمن خطر الاصابة بالاكتئاب بنسبة 16 في المئةتقريبا، وتابع الفريق البحثي لبريرا 11135 شخصامن مواليد 1958 إلى أن بلغوا سن الخمسين وسجلأعراض الاكتئاب ومستويات النشاط الجسدي علىفترات منتظمة في مرحلة البلوغ.

ولقياس الاكتئاب بحث العلماء اجابات المشاركينعلى ما يعرف باختبار الضيق وهو عبارة عن أسئلةتقيس مدى شعور المرء بالضيق النفسي في أعمارمختلفة. وأجاب المشاركون على سؤال بشأن عددمرات ممارستهم للرياضة أسبوعيا.

وأظهرت النتائج أن عددا أقل من أعراض الاكتئاببدا على من كثفوا نشاطهم الجسدي أسبوعيا لكنمن زادت أعراض الاكتئاب عليهم كانوا أقل نشاطا. وذكر العلماء أن كل نشاط اضافي أسبوعيا يقلل منمخاطر الاكتئاب بنسبة ستة في المئة.

كيف نتغلب على الاكتئاب الموسمي؟

من جانب آخر قال أستاذ علم النفس السريري فيالطب النفسي، في كلية الجراحين والأطباء، فيجامعة كولومبيا مايكل تيرمان إنالساعة البيولوجيةتعتمد على أشعة الشمس حتى تبقى قادرة علىالتوفيق بين أنشطة النهار والليل،مضيفاً أنشروق الشمس في فصل الشتاء يتأخر، فيما يطولوقت الليل، ما يسبب تغيرات في هرمون الميلاتونين،المسؤول عن تنظيم وقت النوم والاستيقاظ، كذلك،تؤثر مادة السيروتونين الكيميائية في الدماغ علىتقلّب المزاج، بمستويات متابينة باختلاف الموسم.

وفيما يلي بعض الحلول والآليات التي تساعد فيالتغلب على كآبة الشتاء:

العلاج بالضوء

ويسبب تغيرات في التفاعلات الكيميائية داخلالدماغ والمرتبطة بالحالة المزاجية، وأثبت فعّاليته لدىغالبية الأشخاص، في التخفيف من أعراضالاكتئاب.

عقاقير مضادة للاكتئاب:

ويمكن استشارة الطبيب بهدف صرف أدوية مضادةللاكتئاب، وخصوصاً إذا كان المريض يعاني منأعراض شديدة.

العلاج النفسي:

ويعتبر العلاج النفسي بمثابة خيار آخر لعلاج حالةالاكتئاب بشكل طبيعي، والمساعدة في تحديد وتغييرالأفكار السلبية والسلوكيات، والتي تسبب شعوراًسيئاً لدى الأشخاص.

الاعتناء بالصحة النفسية والجسدية:

وينصح بممارسة رياضة المشي، أو التنزه لمسافةقصيرة في الهواء الطلق للاستفادة من ضوء النهار،وخصوصاً في فترة الصباح الباكر.

كذلك، ينصح بضرورة التواصل الاجتماعي لدىالشعور بحالة الاكتئاب، بهدف التخلّص من الأفكارالسلبية، فضلاً عن تحسين الحالة المزاجية.

قد يعجبك ايضا