ريناس السندي
في ظل تصعيد أمني خطير شهدته عاصمة إقليم كوردستان خلال اليومين الماضيين تمثل في وابل من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الانتحارية التي شنتها فصائل مسلحة تطلق على نفسها “المقاومة الإسلامية في العراق” برز تطور سياسي واستراتيجي من العيار الثقيل أعاد خلط الأوراق في المنطقة حيث أجرى الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب اتصالاً هاتفياً مطولاً ومعمقاً مع القيادة السياسية العليا في إقليم كوردستان لمناقشة تداعيات هذه الهجمات المستمرة ووضع حد للتهديدات التي تستهدف استقرار الإقليم وشعبه وجاء هذا الاتصال في توقيت بالغ الحساسية ليرسل رسالة حديدية ومباشرة إلى طهران وكل الأطراف المنضوية تحت لوائها مفادها أن أمن أربيل يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه وأن الإدارة الأمريكية القادمة لن تكتفي ببيانات الإدانة الورقية بل ستنتقل إلى مربع الفعل والردع الحازم لحماية حليفها الاستراتيجي الأوثق في الشرق الأوسط واعتبر المراقبون أن حديث ترامب الصريح مع القادة الكورد يعكس رؤية واشنطن الجديدة التي ترى في استقرار كوردستان ركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي وبوابة لضبط التوازنات المختلة في العراق وسوريا نتيجة التمدد الميليشياوي الذي بات يهدد الملاحة والجو والمصالح الدولية على حد سواء وبحث الجانبان خلال المكالمة ضرورة تعزيز المنظومات الدفاعية للإقليم وتزويد قوات البيشمركة بآليات تقنية متطورة قادرة على سحق الطائرات المسيرة في مهدها وقبل وصولها إلى أهدافها المدنية والعسكرية مما يمنح أربيل حصانة جوية تامة تقطع الطريق أمام محاولات الابتزاز السياسي التي تمارسها الفصائل المسلحة عبر استهداف المطارات والمناطق السكنية المكتظة بالمواطنين الأبرياء.
إن هذه الهجمات التي تنفذها الميليشيات الموالية لإيران بشكل ممنهج منذ يومين لا يمكن فصلها عن الأجندة الإقليمية التي تسعى طهران من خلالها لتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات والضغط على المجتمع الدولي لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى ولكن النتائج جاءت عكسية تماماً حيث أدى هذا التصعيد إلى تمتين الروابط بين أربيل وواشنطن بشكل غير مسبوق وهو ما يصب في مصلحة إقليم كوردستان الذي يحتاج في هذه المرحلة الحرجة إلى غطاء دولي وسياسي يحمي كيانه الدستوري وتجربته الديمقراطية من محاولات التقويض المستمرة التي تمارسها قوى خارجة عن القانون تسعى لفرض أجندة ولاية الفقيه على مجتمع يطمح للحرية والاعمار والازدهار الاقتصادي ومن هنا تبرز الفوائد الكبرى لهذا التحالف المتجدد بالنسبة للولايات المتحدة أيضاً حيث تمثل أربيل القاعدة الأكثر أماناً ومصداقية للوجود الأمريكي في المنطقة والمنصة الأساسية لمحاربة الإرهاب بشتى أنواعه سواء كان إرهاباً فكرياً أو ميليشياوياً عابراً للحدود وبدون إقليم قوي ومستقر ستفقد واشنطن بوصلتها الاستراتيجية في قلب الشرق الأوسط وستجد نفسها أمام فراغ أمني تستغله القوى الإقليمية التوسعية لتهديد حلفاء أمريكا الآخرين ولذلك فإن اتصال ترامب هو بمثابة استثمار في الأمن المشترك وضمان لعدم انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة تقودها ميليشيات لا تؤمن بسيادة الدولة ولا تحترم الدستور العراقي الذي ينظم العلاقة بين المركز والإقليم.
وعند الحديث عن الأضرار الجسيمة التي تلحقها هذه الميليشيات بالدولة والمجتمع نجد أنها تجاوزت كل الحدود المنطقية حيث أصبحت هذه الجماعات المسلحة معول هدم للاقتصاد الوطني من خلال ضرب البنى التحتية للطاقة واستهداف الشركات الاستثمارية الأجنبية التي ترى في أربيل واحة للاستقرار والمشاريع الكبرى مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتوقف عجلة التنمية وزيادة معاناة المواطنين المعيشية وهو الهدف الخفي الذي تسعى إليه طهران لإبقاء الإقليم في حالة ضعف دائم وانشغال بالدفاع عن النفس بدلاً من البناء والتقدم ولكن الرد الصارم الذي أبداه ترامب في مكالمته التاريخية أجهض هذه المخططات وأكد أن الثمن الذي ستدفعه الأطراف المعتدية سيكون باهظاً جداً على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية وأن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تتساهل مع أي تهديد يمس سلامة الرعايا الأمريكيين أو الحلفاء الكورد في أربيل مما يضع الميليشيات أمام خيارين أحلاهما مر فإما الانصياع لسلطة القانون والكف عن العبث بأمن الإقليم أو مواجهة آلة عسكرية ودبلوماسية أمريكية كاسحة لا ترحم المعتدين ومن المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة تحركات عملية على الأرض لتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعسكري بين قوات البيشمركة والتحالف الدولي لضمان إغلاق الثغرات التي تتسلل منها هذه المسيرات الغادرة وتطهير المناطق التي تنطلق منها الهجمات لضمان أمن مستدام يحول دون تكرار سيناريوهات الترهيب السابقة.
ختاماً فإن إصرار القيادة الكوردية على مواجهة هذه التحديات بحكمة وصبر وتواصلها الفعال مع مراكز القرار العالمي أثمر عن هذا الدعم الاستثنائي من شخصية قوية مثل دونالد ترامب الذي يعرف بقراراته الحاسمة وغير المترددة مما يعطي جرعة ثقة كبيرة للشارع الكوردي وللمستثمرين بأن أربيل ليست وحيدة في هذه المواجهة وأن التحالف الكوردي الأمريكي هو صمام أمان لاستقرار الشرق الأوسط برمته وأن محاولات الميليشيات لزعزعة هذا التحالف لم تزد الأمور إلا وضوحاً وقوة في الاتجاه المعاكس حيث ستبقى أربيل منارة للتطور والتعايش السلمي رغم أنف الطامعين وستظل السيادة الكوردية مصانة بدماء الشهداء ودعم الأصدقاء الحقيقيين في واشنطن الذين أدركوا أخيراً أن كوردستان هي المفتاح الذهبي لاستقرار العراق وضمان مصالح العالم الحر في وجه القوى الظلامية التي لا تتقن سوى لغة الدمار والخراب وتصدير الأزمات.