سالي علي
التصعيد الحالي بين إيران وخصومها لا يُنتج فقط مواجهات عسكرية محدودة، بل يعيد تعريف مواقع الفاعلين المحيطين بساحات الاشتباك. في هذا السياق، يجد إقليم كردستان نفسه داخل معادلة ردع لا يملك ترف تجاهلها، لكنه في الوقت ذاته لا يملك مصلحة في التحول إلى أحد أضلاعها المباشرة.
الاتصالات السياسية المكثفة مع القيادة الكردية، بما في ذلك ما يُتداول عن تواصل Donald Trump مع مسعود بارزاني وبافل طالباني، تعكس إدراكًا دوليًا لموقع الإقليم الجيوسياسي. غير أن الحضور في الحسابات الاستراتيجية لا يعني بالضرورة الانخراط في التنفيذ الميداني. الفرق بين الاثنين هو جوهر اللحظة الراهنة.
الجغرافيا تفرض قيدًا حاسمًا: حدود مباشرة مع إيران، وعمق عراقي تتقاطع فيه نفوذيات متباينة. أي انخراط — حتى لو اقتصر على تسهيلات غير قتالية — سيُقرأ ضمن إطار أمني إيراني أوسع، حيث تُعامل البيئات القريبة باعتبارها امتدادًا لخط الدفاع الأول. في هذا النوع من العقائد الأمنية، المسافة السياسية لا تُلغي القرب الجغرافي.
في المقابل، العلاقة مع واشنطن بُنيت على أساس استقرار طويل الأمد، لا على توظيف الإقليم كأداة ضغط مرحلية. التجارب الإقليمية تُظهر أن الكيانات التي تتحول إلى منصات اشتباك مؤقتة تدفع ثمنًا يتجاوز مكاسبها السياسية اللحظية. الردع يمنح نفوذًا عندما يُدار بحساب، لكنه يتحول إلى عبء عندما يُختزل في الاصطفاف.
البيئة العراقية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. بغداد تحاول الحفاظ على توازن هش بين طهران وواشنطن، والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران حاضرة ضمن المشهد الأمني. أي تحرك كوردي يتجاوز السقف غير المعلن قد يُعيد فتح ملفات داخلية مؤجلة، في لحظة لا يحتمل فيها الإقليم ضغطًا مزدوجًا من الخارج والداخل.
المعضلة هنا ليست أخلاقية ولا أيديولوجية، بل حسابية بحتة:
هل يُحقق الانخراط مكسبًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم يمنح مكسبًا تكتيكيًا قصيرًا مقابل مخاطرة عالية؟
في بيئات “التوتر المنضبط” — حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر — تنجح الأطراف التي تحافظ على قابلية الحركة أكثر من تلك التي تبحث عن وضوح مواقف حاد. الحياد المتوازن في مثل هذه اللحظات ليس انسحابًا، بل أداة نفوذ هادئة تحفظ المجال للمناورة في ترتيبات ما بعد التصعيد.
إقليم كردستان لن يكون خارج الحسابات الإقليمية، لكن قدرته الحقيقية تكمن في تجنب التحول إلى ساحة اختبار لإرادات متصارعة. في مراحل إعادة ضبط الردع، المكسب لا يُقاس بحجم الاصطفاف، بل بقدرة الفاعل على الخروج من العاصفة دون أن يصبح جزءًا من مركزها.