المسلسل الذي يلبس ثوب السينما..هل تطوّر حقيقي أم خدعة بصرية؟

مصطفى حسين الفيلي

في السنوات الأخيرة، لم يعد صانعو الدراما التلفزيونية يخفون طموحهم السينمائي. كاميرات ضخمة، إضاءة محسوبة، ألوان مشبعة، ولقطات واسعة تُذكّرنا بأفلام الشاشة الكبيرة. حتى أن بعض المسلسلات بات يُسوَّق له على أنه “فيلم طويل مقسّم إلى حلقات”.

لكن السؤال الجوهري يبقى هل نحن أمام تطوّر حقيقي في اللغة الدرامية؟ أم مجرد ثوب سينمائي فخم يخفي جسدًا تلفزيونيًا تقليديًا؟

لا شك أن المنصّات العالمية، وعلى رأسها Netflix، لعبت دورًا محوريًا في هذا التحوّل. الميزانيات تضاعفت، والتقنيات التي كانت حكرًا على السينما أصبحت في متناول الدراما. فجأة صار المسلسل يصوَّر بعدسات سينمائية، وبنسب عرض عريضة، وبمستوى عالٍ من العناية بالصورة.

لكن السينما، في جوهرها، ليست كاميرا ولا لونًا فقط.

السينما لغة. إيقاع. اقتصاد في السرد. مشهد يُبنى ليُشاهَد مرة واحدة ويترك أثره طويلًا. بينما المسلسل، بطبيعته، يعتمد على الاستمرارية، وعلى الإطالة أحيانًا، وعلى “تعليق الطُعم” في نهاية كل حلقة لإبقاء المشاهد مشدودًا.

هنا تقع الخدعة.

كثير من المسلسلات اليوم تبدو سينمائية في شكلها، لكنها تلفزيونية في روحها. صورة جميلة تخدم حبكة مطاطة، ولقطات طويلة لا تضيف معنى بقدر ما تستعرض إمكانيات تقنية. كأن الكاميرا تقول: “انظروا كم نحن متقنون”، بدل أن تقول “اشعروا بما يحدث”.

في المقابل، هناك تجارب نادرة نجحت في تحقيق المعادلة الصعبة: مسلسل يفكّر بعقل سينمائي، لا يكتفي بتقليد مظهرها. أعمال احترمت الإيقاع، وبنت شخصياتها بالصورة قبل الحوار، وسمحت للصمت بأن يكون جزءًا من السرد. هنا فقط يمكن الحديث عن تطوّر حقيقي، لا عن تقمّص شكلي.

المشكلة أن بعض المنتجين باتوا يعتقدون أن “السينما” تعني فلتر ألوان داكن، وكاميرا تتحرّك ببطء، وموسيقى ثقيلة. بينما الحقيقة أبسط وأعمق

السينما موقف فني، لا إعداد كاميرا.

السؤال الذي يجب أن نطرحه كصنّاع ومشاهدين ونقّاد

هل يخدم هذا الشكل القصة؟

أم أن القصة تُسحَب بالقوة لتخدم الشكل؟

في زمن ازدحام المحتوى، لم يعد المشاهد ينخدع طويلًا. قد ينبهر في الحلقة الأولى، لكن ما سيبقيه حتى النهاية ليس جمال الكادر، بل صدق الحكاية. وهنا فقط يسقط القناع إما مسلسل تطوّر فعلًا، أو خدعة بصرية أنيقة سرعان ما تُنسى.

قد يعجبك ايضا