عهد الإنسانية: حين تسقط الحروب ويبقى الإنسان

نجاح هيفو

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتصاعد فيه التوترات في إيران والمنطقة، يبدو العالم وكأنه يقف مرةً أخرى أمام مفترق طرق بين منطق القوة ومنطق الإنسانية. فالمشهد الإقليمي اليوم، بما يحمله من صراعات سياسية وضغوط اقتصادية وخوف شعبي، يعيد طرح سؤالٍ جوهري: هل يمكن أن يكون هذا العصر فعلًا عهد التعايش المشترك واحترام خصوصية كل المكوّنات، أم أننا ما زلنا أسرى صراعات الماضي؟
لقد أثبت التاريخ أن الحروب لا تمنح الشعوب خلاصًا حقيقيًا، بل تؤجل الأزمات وتضاعف الألم. فبعد الحرب العالمية الثانية، أدركت أوروبا أن استمرار العداء سيقودها إلى الفناء، فاختارت طريق التعاون بدل الصراع. فرنسا وألمانيا، اللتان خاضتا حروبًا دامية لعقود، قررتا بناء شراكة اقتصادية وسياسية أصبحت لاحقًا أساس الاتحاد الأوروبي. لم يكن السلام نتيجة توافق كامل في المصالح، بل نتيجة إدراك أن التعايش أقل كلفة من الدمار. وهنا تتجلى فكرة أن السلام قد يولد حتى بين أطراف مختلفة الرؤى، إذا أدركت أن البديل هو الانهيار.
وفي تجربة جنوب أفريقيا، عندما خرجت البلاد من نظام الفصل العنصري، كان العالم يتوقع حربًا أهلية وانتقامًا واسعًا. لكن الزعيم نيلسون مانديلا اختار المصالحة الوطنية بدل الثأر، مؤمنًا بأن بناء المستقبل لا يتم عبر إعادة إنتاج الكراهية. قال مانديلا: «الحرية لا تعني التخلص من القيود فحسب، بل العيش بطريقة تحترم حرية الآخرين». هذه الحكمة تلخّص جوهر الاستقرار الحقيقي: الاعتراف المتبادل بين مكوّنات المجتمع.
أما في الهند، فقد أثبت المهاتما غاندي أن القوة الأخلاقية قد تكون أعمق أثرًا من القوة العسكرية. فقد قاد شعبًا كاملًا نحو الاستقلال عبر فلسفة اللاعنف، مؤكدًا أن «العين بالعين تجعل العالم أعمى». واليوم، تبدو هذه العبارة انعكاسًا دقيقًا لما تعيشه مناطق عديدة في الشرق الأوسط، حيث تتوالد الصراعات من ردود الأفعال المتبادلة دون أن يحقق أي طرف سلامًا دائمًا.
إن ما يحدث في إيران والمنطقة يثبت أن الحكومات التي لا تصغي لتنوع مجتمعاتها وتطلعات شعوبها تواجه تحديات متراكمة مع مرور الزمن. فالدولة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها الأمنية، بل بمدى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية واحترام الخصوصيات الثقافية والسياسية لمكوّناتها. وقد قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: «العدل أساس الحكم الصالح»، وهي قاعدة أثبتت صحتها عبر قرون من التجارب الإنسانية.
قد يرى البعض أن أي سلام يُطرح اليوم، حتى لو ارتبط بتوازنات دولية أو مصالح متعارضة، ليس سلامًا مثاليًا. لكن التاريخ يعلّمنا أن السلام الواقعي، حتى وإن جاء نتيجة حسابات سياسية، قد يكون بداية الخلاص للشعوب المنهكة. فالحروب تبدأ غالبًا بشعارات كبرى، لكنها تنتهي دائمًا بحقيقة واحدة: أبرياء يُقتلون، ومدن تُدمّر، بينما يرحل الحكّام وتبقى الشعوب وحدها تواجه آثار الألم.
وقد عبّر العالم ألبرت أينشتاين عن هذه الفكرة بقوله: «السلام لا يمكن حفظه بالقوة، بل بالفهم». إن هذه الحكمة تبدو اليوم دعوة مفتوحة للمنطقة كي تعيد التفكير في معنى الاستقرار، ليس بوصفه غياب الحرب فقط، بل حضور العدالة والتعايش.
في النهاية، قد تتغيّر الحكومات وتزول الأنظمة، لكن الإنسان يبقى القيمة الأسمى. وحصيلة كل صراع تبقى درسًا قاسيًا يذكّر العالم بأن المستقبل لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية. وربما يكون هذا بالفعل بداية عهد الإنسانية؛ عهد التعايش واحترام الخصوصيات، حيث يصبح الإنسان أولًا… قبل السياسة وقبل المصالح.

قد يعجبك ايضا