نبيل عبد الأمير الربيعي
في قلب بابل القديمة، حيث ينساب الفرات بهدوء كخيط فضّي يربط الماضي بالحاضر، وُلد أنور شاؤول عام 1904، في أسرة يهودية عراقية محبة للعلم والثقافة. كان الماء، والنخيل، والهواء الذي يتسلل بين الأزقة، جزءًا من ذاكرته الأولى، يختزن في قلبه حنينًا دفينًا للوطن. لم يكن المكان مجرد أرض، بل كان مدرسة للحواس، ومعملًا للخيال، ومنبعًا للشغف بالكتابة واللغة العربية التي رافقته رغم كل ما سيعصف بالمجتمع من تحولات سياسية واجتماعية لاحقًا.

انتقلت أسرته إلى بغداد عام 1916، حيث واجه شاؤول صخب المدينة وازدحامها، لكنه وجد فيها ملتقى الحضارات، قلب العراق النابض، الذي احتضن معارفه ووسع آفاقه الفكرية. درس في مدارس الأليانس الفرنسية، حيث تعلّم الأدب العربي واللغات الأخرى، وارتوى من منابع الثقافة الكلاسيكية، قبل أن ينتقل إلى المدارس الأهلية اليهودية، مسلحًا بفضوله العلمي وحبه للتعليم، في وقت كان فيه التعليم أداة صمود للهوية والثقافة وسط التغيرات الجذرية التي ضربت العراق.
كان شاؤول شغوفًا بالكلمة منذ نعومة أظافره؛ كتب الشعر باسم مستعار “ابن السموءل”، وأصدر مجلة أدبية أسبوعية “الحاصد” عام 1929، ليكون فضاءً لنقد الواقع، واستشراف المستقبل، وملتقى للأدب والفكر الحر. ومع حصوله على شهادة الحقوق عام 1931، جمع بين القانون والشعر، بين الدفاع عن العدالة وممارسة الكلمة، لتصبح حياته مرآة للوفاء للوطن والإنسانية.
في بغداد، حيث الأزقة تتشابك كخيوط العنكبوت، والبيوت تحمل عبق التاريخ، لم يكن شاؤول مجرد شاعر أو أديب، بل كان شاهدًا على التحولات الكبرى: من الحكم الملكي إلى الاستعمار الثقافي، من التوتر الطائفي إلى صعود الاستبداد. كتب عن الحرية وكرامة الإنسان، وعن رفض الظلم والاستبداد، وكان صوته يتحدى نغمة الطغيان، سواء في مواجهة النظام النازي في ألمانيا، أو مفتي القدس أمين الحسيني ومستشاريه في العراق، الذين سعوا لبث الكراهية والتمييز.
“لقد سنه طاغٍ غشوم مسيطر، وأسلمه في كف باغٍ ومجرم، وحل محل الحق زور وباطل، ودّيس على العدل الحبيب بمنسم”
كان شعره صرخة ضد الظلم، لكنها صرخة ملؤها الحنين للأرض والإنسان، صرخة تدعو للتسامح والسلام، صرخة تأمل أن يعيش العراقيون كلهم على أرض واحدة، متحدين في وطن يحميهم جميعًا دون تفريق.
لكن الحياة لم تكن سهلة؛ جاءت حرب حزيران 1967 لتختبر الولاء والانتماء. أظهر شاؤول، مع أبناء الطائفة اليهودية، ولاءً حقيقيًا للوطن، رافضًا الانجرار وراء الحروب الطائفية والسياسات الظالمة، ومع ذلك، تعرض للاضطهاد والملاحقة، وسُلبت حقوق أبناء الطائفة، وجرى اعتقاله فترة طويلة، ثم أُطلق سراحه. ورغم ذلك، ظل متشبثًا بكتابة الشعر بالعربية، متمسكًا بالهوية الوطنية والإنسانية، رافضًا أن تصبح حياته أو كلماته أسيرة للظلم.
في شعره، امتزج الحب بالحنين، والانتماء بالوفاء، كما ظهر في حبه الصوفي لمريان، حيث كانت ابتسامتها شعاعًا يضيء روحه:
“ابسمي لي ففي ابتسامتكِ سحرٌ ………دائم الفعل في قرارة نفسي
ابسمي لي مثل ابتسامة الدراري…….. واطردي ذكريات يومي وأمسي”
لم يقتصر إبداعه على الشعر فقط، بل امتد إلى الصحافة والمحاماة، حيث كان صوت العدالة والمواطنة الحقة. كما شارك في المنتديات الأدبية العراقية، ومنها المؤتمر العام للأدباء العرب في بغداد 1969، مؤكدًا على أن الأدب أداة لفهم الآخر وبناء جسور السلام، وأن الثقافة قادرة على مواجهة الجهل والاضطهاد.
وعندما ضربت عاصفة التهجير اليهود العراقيين، لم يتخلَّ شاؤول عن حبه للعراق، بل غادر محملاً بذكرياته وأعماله، محافظًا على صلته بثقافة وطنه وتراثه، مؤلفًا ديوانه “وبزغ فجر جديد” وسيرته الذاتية “قصة حياتي في وادي الرافدين”، ليخلد تجربة حياته، ورسالة العراق التي عاشها بكل تفاصيلها: الفرح والحزن، الجمال والمأساة، الحرية والقمع.
توفي أنور شاؤول في 14 كانون الأول 1984، مخلفًا إرثًا أدبيًا ووطنيًا غنيًا، وصوتًا خالدًا للحرية والعدالة، مؤكدًا أن الإنسان والإبداع والوفاء قادرون على الصمود أمام عواصف التاريخ والظلم، وأن الكلمة الحقة أبدية ما دام هناك من يحملها بالصدق والإخلاص.