حين تختبر القضايا.. الكرد في زمن الحروب الكبرى

خوشناف سليمان

لا تبدأ الحروب الكبرى عند أول ضربة عسكرية بل قبل ذلك بكثير. في اللحظة التي تفقد فيها الدول قدرتها على الاستمرار بالصيغة التي عاشت بها طويلًا. عندها لا تكون الشعوب أمام خيار الانتظار. بل أمام ضرورة إعادة تعريف ذاتها تحت ضغط الوقت. ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة. وإيران من جهة أخرى. لم يعد احتمالًا. أو تهديدًا نظريًا. بل دخل منذ وقت في مسار صراع فعلي متعدد الأشكال. لا يُقاس بضربة واحدة ولا يُختصر بمواجهة معلنة. هذا المسار. بطبيعته المفتوحة والمتدرجة. أبعد ما يكون عن كونه مواجهة محدودة الأثر. لأنه يعيد ترتيب توازنات المنطقة من الداخل. ويدفع القضايا العالقة إلى واجهة الاختبار.
في هذا السياق. لا تظهر القضية الكردية بوصفها مأساة إضافية في سجل الأزمات. بل بوصفها حالة سياسية معلّقة منذ عقود. تُدفَع مرة أخرى إلى مواجهة أسئلة لم يعد ممكنًا تأجيلها. أسئلة تتعلّق بطبيعة الدور. وحدود الممكن. والقدرة على التحوّل من موقع التكيّف مع المتغيّرات إلى موقع الفعل المنظّم داخلها.
إيران. بوصفها مركز ثقل إقليمي. لا تمثّل مجرد دولة بحدودها السياسية. بل منظومة نفوذ وتشابك مصالح تمتد خارج الجغرافيا. أي إضعاف واسع لهذه المنظومة لا يعني انهيارها السريع. بل تقليص قدرتها على التحكم بالأطراف. وفي لحظات كهذه. لا تتحرك الهوامش تلقائيًا نحو مسارات واضحة. بل تدخل منطقة رمادية.. إمّا مساحة اختبار سياسي دقيق. أو مجالًا لقمع أشدّ تحت ذرائع أمنية.
في كردستان إيران. لا تتكوّن اللحظة من فراغ. هناك تاريخ طويل من الإقصاء السياسي والثقافي. ومحاولات متكررة لضبط الفعل العام ومنعه من التحوّل إلى مسار منظم. الصراع القائم قد يخلق إحساسًا مؤقتًا بتراجع قبضة الدولة. لكن هذا الإحساس وحده لا يصنع سياسة. أي تحرك لا يستند إلى قيادة ناضجة. ولا يمتلك لغة واقعية تُدرك توازن القوى وحدود اللحظة سيُقرأ باعتباره تهديدًا داخليًا. ويُواجَه بوصفه مسألة أمنية. هنا لا تكون المسألة مسألة شعارات كبرى. بل مسألة اعتراف سياسي يُبنى تدريجيًا. ويحتاج إلى أدوات تختلف عن أدوات الاحتجاج العفوي وردّ الفعل السريع.
في شمال شرق سوريا. روج آفا . يبدو المشهد مختلفًا من حيث الشكل. لكنه يتقاطع في الجوهر. هناك سلطة قائمة وإدارة تدير الأرض. لكنها ما زالت عالقة في موقع بيني.. ليست جزءًا معترفًا به من الدولة. ولا مشروعًا سياسيًا مكتمل البنية. العلاقة مع الولايات المتحدة علاقة مصلحة مؤقتة. تتغيّر بتغيّر الأولويات. ومع كل تحوّل إقليمي كبير تعود الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة. في هذا السياق. تصبح الحاجة ملحّة للانتقال من سلطة تشكّلت في ظروف الحرب إلى مشروع سياسي جامع. هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق دون انفتاح حقيقي على المجلس الوطني الكردي. وإشراكه في المؤسسات والإدارات. وبناء حالة سياسية كردية جامعة. تمنح الداخل توازنًا. وتوفّر للمشهد الكردي قدرة أفضل على مواجهة أي اهتزاز إقليمي محتمل.
أما في إقليم كردستان العراق. فالإشكالية لا تتعلّق بغياب الكيان. بل بطبيعته ومسار تشكّله. الإقليم قائم منذ عقود. لكنه نشأ وتطوّر ضمن توازنات إقليمية ودولية متغيرة. هذا الواقع وفّر له الاستقرار في مراحل معينة. لكنه جعله أقل استعدادًا للحظات التحول الكبرى. إضعاف إيران. إن استمر. لا يعني تلقائيًا تعزيز موقع الإقليم. بل قد يكشف هشاشات مؤجلة تتعلّق بانقسام القرار السياسي. وغياب رؤية موحدة. وحدود الاستقلال الفعلي في العلاقة مع بغداد والجوار.
معالجة هذه القضايا لم تعد مسألة داخلية قابلة للتأجيل. وحدة القرار السياسي باتت شرطًا أساسيًا لأي دور فاعل. كما أن وجود برنامج سياسي واقعي ينظّم العلاقة مع بغداد. ويحدّد بوضوح إدارة الموارد والدفاع عن الحقوق الدستورية. أصبح ضرورة لا خيارًا. إلى جانب ذلك. فإن أي انخراط مقبل في مسارات تفاوض إقليمية أو دولية يتطلب استعدادًا واعيًا. بفريق موحد. وحدود واضحة. حتى لا يتحوّل الإقليم إلى مساحة يُتفاوض عليها بدل أن يكون طرفًا في التفاوض.
لكن التحدي لا يقف عند حدود كل ساحة على حدة. التحولات الجارية تفرض التفكير في البعد الكردي الأوسع. تشديد الروابط بين أكراد الأجزاء الأربعة. ووضع استراتيجيات مشتركة تراعي خصوصية كل دولة وسيادتها. لم يعد طرحًا نظريًا. تجربة إقليم كردستان، بكل ما تحمله من نجاحات وإخفاقات. تشكّل رصيدًا يمكن الاستفادة منه لا لاستنساخه. بل لاستخلاص دروسه. في هذا الإطار. تبرز أهمية وجود إطار تنسيقي أو مرجعي يضم شخصيات كردية ذات خبرة سياسية. يكون قادرًا على التفكير الاستراتيجي وتبادل الرؤى. دون أن يتحوّل إلى كيان بديل عن الواقع القائم أو مصدر صدام مع الدول.
في المقابل. يبقى واضحًا أن القوى الدولية لا تتعامل مع المنطقة بمنطق الحقوق. بل بمنطق المصالح. الكرد غالبًا ما يُنظر إليهم كعنصر وظيفي في لحظات محددة. لا كقضية سياسية قائمة بذاتها. هذا الواقع لا يتغيّر بالخطاب. بل بقدرة الكرد على تقديم أنفسهم بوصفهم عامل استقرار نسبي. يمتلك مشروعًا يمكن التعامل معه سياسيًا. لا مجرد حالة طارئة مرتبطة بالظروف.
بهذا المعنى. لا يبدو الصراع القائم فرصة بقدر ما يبدو اختبارًا. اختبارًا لقدرة الكرد على الخروج من موقع ردّ الفعل. والدخول في موقع الفعل المنظم. وعلى التعامل مع التحولات بوصفها مسارًا طويلًا. المسألة لم تعد تتعلّق بإثبات عدالة القضية. بل بإثبات القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي قابل للحياة في منطقة لا تنتظر المترددين ولا تمنح وقتًا إضافيًا لمن يؤجّل قراراته.

قد يعجبك ايضا