أمل حسن
حين نراجع صفحات التاريخ الكردي ونتعمق في سطوره، ونتأمل مساحاته النضالية في سبيل القضية الكردية، نجد في كل عبارة اصالة حضارة راسخة صانها ابطال ناضلوا من اجل بقاء اسم الكرد حيا. وعبر الثورات التي واجهت الدكتاتوريات والاستبداد، وما رافقها من حملات الانفال والمجازر والقصف والحروب والاعدامات الميدانية والاعتداءات التي لا حدود لها، يتجلى حجم المعاناة التي تعرض لها هذا الشعب، اذ سعى خصومه الى محو اسمه وهويته من صفحات التاريخ والواقع.
ومن بين رماد الابادات ارتفعت آهات الشعب من فوهات البنادق، وصدح صوت ثوار الجبال الذين حملوا ارواحهم على اكتافهم والبارود في سواعدهم، فواجهوا الاعداء في ميادين القتال دفاعا عن الهوية والوجود، لتبقى القضية الكردية حاضرة في سجل التاريخ ووجدان الحاضر.
وهنا نستذكر الجنرال مصطفى البارزاني مع اول نسمة من هواء الربيع، حين تتفتح الازهار وتخضر الارض وتغرد البلابل على ضفاف نهر آراس، وتتعالى اصوات العصافير فوق جبال شيرين وجبل كورك وجبال زاكروس وجبل هلكورد. هناك تولدت الارادة من رحم البطولة والفداء، وانبعث من رماد المأساة نور اصفر يزين راية كوردستان التي اهداها الشهيد قاضي محمد الى الجنرال مصطفى البارزاني وصية له ليكمل درب النضال بعد انهيار جمهورية مهاباد،بفعل مؤامرة اقليمية ودولية مشتركة، وليكون للشعب الكردي اثر راسخ في مسيرة البقاء والصمود.
ومنذ ذلك الحين جاءت الهجرة التاريخية للبارزاني الاب برفقة خمسمائة من مقاتلي البيشمركة عبر نهر آراس عقب انهيار جمهورية مهاباد عام 1947، بحثا عن افق جديد للقضية الكردية. وتمكنت السيدة همايل محمود آغا زيباري من صون اثره الوطني، وغرست محبة كوردستان في قلوب ابنائه وفاء لنهجه وتكريما لمسيرته خلال غيابه الذي امتد اثني عشر عاما. فنشأ الابناء على روح الانتماء، يستمدون العزم من اقوال والدهم الراحل اذا كان حب الوطن تهمة فلنكن اكبر المتهمين، وما جئنا لنكون اسيادا على الناس بل لخدمتهم.
وبقي اسم الجنرال البارزاني حاضرا في الماضي والحاضر، فارسا يحمل راية العزة والكرامة، وينقل القضية الكردية الى المحافل الدولية بعد عقود من الصراع والمقاومة، وعلى يديه ترسخ اسم كوردستان في المحافل السياسية والتاريخية.
واليوم يقود الرئيس مسعود بارزاني الشعب الكردي، حاملا وصية والده جيلا بعد جيل كما تسلمها والده من الشهيد قاضي محمد، بكل ما تحمله من معاني الصدق والاخلاص. ويسير على خطاه مؤمنا بان الوطن ليس خريطة على الورق بل دم يجري في العروق، وبفضل تلك العزيمة تتقدم المسيرة بثبات نحو اهدافها.
وقد تحول اقليم كوردستان من رماد الابادة الى البناء والعمران، ومن عظام محترقة في صحراء عرعر الى افق من المجد والحضارة، بفضل تضحيات قوات البيشمركة الذين لم يكونوا مجرد قوة عسكرية بل ارادة شعب صنعت تاريخ كوردستان وحاضرها. ولا شرف يعلو على الدفاع عن الوطن ومواجهة الظلم.
وفي سياق هذه المسيرة، نستذكر ثورة غرب كوردستان حيث كان الرئيس مسعود بارزاني ولا يزال صمام امان لاستقرار لشعب كوردستان وحقوقه المشروعة، وكان له دورًا بارزًا سياسيًا ودبلوماسيًا في الدعم والمساندة. كما اسهم كل من الرئيس نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني بدور مهم، الى جانب الجالية الكردية التي يراسها شفاء بارزاني، فضلا عن الجهود الانسانية التي قامت بها مؤسسة بارزاني الخيرية، وشعب اقليم كوردستان ارضا وشعبا وحكومة، دعما ماديا ومعنويا واعلاميا ووطنيا.
ومهما كتبنا سيبقى الكلام اقل من حق اقليم كوردستان وشعبه، وما قدموه من اجل ثورة غرب كوردستان. وتشير مجمل المواقف وقراءة الوقائع الى ان نهج البارزاني شكل ركيزة اساسية في مسار القضية الكردية، نهج رحل صاحبه جسدا وبقي اثره وايمانه حيا في وجدان شعبه.
لذا فان الواجب يحتم علينا ان نصون المكتسبات التي حققها الشعب الكردي في جزء من كوردستان الاربعة، بفضل تضحيات شهدائه وبطولات ابنائه وصمود شعبه. ان كوردستان وسيادة اقليم كوردستان امانة في اعناقنا، نفديهما بالروح والدم، فكوردستان تعني البارزاني، والبارزاني يعني كوردستان.
كما يجدد الربيع ازهاره كل عام، يقف الشعب الكردي ومعه احرار العالم تقديرا لمسيرة البارزاني.
مسيرة تستحق الوفاء، وذكرى تستحق الانحناء اجلالا لها. البارزاني درب مجد يمتد من الاباء الى الابناء ومن الابناء الى الاحفاد، عهدا متجددا بان تبقى كوردستان عنوان الكرامة والهوية.
لروح الجنرال مصطفى البارزاني السلام، ولمسيرته البقاء والوفاء على العهد.