سالي علي
إيران لا تتحرك اليوم من موقع الهدوء، بل من موقع الضغط المركّب: اقتصاد مُنهك بالعقوبات، توتر داخلي متصاعد، وبيئة إقليمية تزداد اشتعالًا. في المقابل، ثمة مواجهة مفتوحة السقف مع إسرائيل، وتوازن محسوب مع الولايات المتحدة، وتحركات دقيقة في العراق وسوريا ولبنان. المشهد لا يُدار بمنطق الحرب الشاملة، بل بمنطق “إدارة الحافة”.
المعادلة الراهنة ليست “حرب أو سلام”، بل توتر دائم مضبوط الإيقاع. ضربات محسوبة، رسائل بالنار، واختبار مستمر لحدود الردع دون تجاوزها. لا طهران تريد انفجارًا كبيرًا، ولا واشنطن مستعدة لتحمّل كلفته، ولا تل أبيب معنية بتوسيع جبهات بلا سقف سياسي. الجميع يقترب من الحافة… دون القفز.
الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار الحرب، بل في خطأ الحسابات. المنطقة مزدحمة بالفاعلين المسلحين، بالصواريخ قصيرة المدى وطويلته، وبجبهات يمكن أن تشتعل بخطأ تكتيكي واحد. في هذا المناخ، يتحول الردع إلى لعبة أعصاب يومية، حيث تُقرأ الإشارات قبل إطلاق النار.
العراق يبقى الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. أي تصعيد بين إيران وخصومها ينعكس فورًا على ساحته، فتزداد الضغوط السياسية وتتقاطع الحسابات الإقليمية فوق أرضه. ومع كل توتر، تتقدم أدوات النفوذ المالي والأمني لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي. أما المناطق الكوردية، فتمثل عنصر توازن حساسًا في هذه الحسابات: مساحة استقرار نسبي، وشراكات دولية قائمة، وموقع يتأثر سريعًا بأي خلل في ميزان القوى.
المرحلة المقبلة لا توحي بخرائط تتغير فجأة، بل بموازين قوة يعاد تشكيلها ببطء. لا أحد يسعى إلى انتصار شامل؛ الهدف هو تثبيت خطوط نفوذ جديدة، وإدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة، مع إبقاء الخيارات مفتوحة.
الشرق الأوسط لا ينفجر عادةً بضربة واحدة… بل يُعاد ترتيبه تحت ضغطٍ بطيء ومتراكم. ومن يقرأ الإشارات مبكرًا، يدرك أن أخطر التحولات لا تُعلن بصوت عالٍ، بل ت
تشكل في المساحات الرمادية بين التصعيد والتهدئة.