حين تتحول القيادة إلى هوية أمة

د.ايناس الفيلي

في الذكرى السابعة والأربعين للرحيل الجسدي للقائد الخالد مصطفى بارزاني لا نقف عند استذكار شخصية تاريخية فحسب بل نستحضر مسيرة أمة كاملة تجسدت في رجل استطاع أن يحول معاناة شعبه الكوردي من قضية منسية إلى قضية حاضرة في مراكز القرار العالمية فقد كان بارزاني أكثر من قائد عسكري بل كان صاحب رؤية سياسية عميقة أدرك مبكرا أن النضال لا يكتمل إلا عندما يصل صوت الشعب إلى العالم وأن الشرعية الدولية لا تقل أهمية عن التضحية في ميادين الكفاح نشأ بارزاني في زمن مضطرب كانت فيه الشعوب الصغيرة تتلاشى تحت ضغط الصراعات الدولية لكنه تمكن بإرادة صلبة وحكمة سياسية من تثبيت الهوية الكوردية كحقيقة لا يمكن تجاهلها فجمع بين الشجاعة العسكرية والحنكة السياسية وبين الثبات على المبدأ والقدرة على قراءة موازين القوى فصار اسم الكورد مرتبطا بحقوق قومية وثقافية مشروعة بعد أن كان مجرد ذكر عابر في حسابات السياسة الإقليمية لم يكن مشروعه قائما على الصراع من أجل الصراع بل على كرامة الإنسان وحق الشعوب في الاعتراف بهويتها لذلك سعى إلى جعل القضية الكوردية قضية عدالة إنسانية قبل أن تكون قضية قومية ففتح أبواب الحوار كما حمل راية المقاومة مؤمنا بأن القوة الحقيقية تكمن في وحدة الشعب وإيمانه بعدالة قضيته
وفي مسيرة هذا النضال كان للكورد الفيليين حضور واضح ومؤثر إذ وقفوا إلى جانب القضية الكوردية دعما ومساندة وكان لتجارهم وصناعييهم دور مهم في إسناد الحركة الوطنية سياسيا واقتصاديا لأن انتماءهم لم يكن مجرد هوية مكتوبة بل شعورا متجذرا في الوجدان حيث بقيت القومية الكوردية حية في دمائهم رغم ما تعرضوا له من تهجير وإقصاء ومحاولات طمس للهوية عبر مراحل مختلفة من التاريخ ومع ذلك ظلوا أوفياء لقضيتهم مؤمنين بأن وحدة الشعب هي الطريق نحو البقاء والاعتراف إن تجربة بارزاني تعلمنا أن القائد الحقيقي لا يصنع لحظة تاريخية عابرة بل يؤسس وعيا يمتد عبر الأجيال فقد ترك مدرسة في النضال تقوم على الصبر الاستراتيجي والإيمان بالحق والعمل المتواصل دون انكسار فالأفكار التي تنبع من إرادة الشعوب لا تموت برحيل أصحابها بل تتحول إلى ذاكرة جماعية وقوة معنوية تدفع المستقبل إلى الأمام واليوم وبعد عقود على رحيله ما زال حضوره قائما في وجدان الكورد لأنه لم يكن قائدا لمرحلة بل رمزا لهوية ونضال ومعنى للثبات على المبادئ فالقادة يرحلون لكن القضايا العادلة تبقى حية ما دام هناك من يؤمن بها ويحملها جيلا بعد جيل فليعش الكرد وتحيا كوردستان .

قد يعجبك ايضا