أ.د.خليل مصطفى عثمان
شكّل رحيل الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني في الأول من آذار/مارس عام 1979 في مستشفى جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن، حدثاً تجاوزت أبعاده النطاق الإقليمي ليتحول إلى قضية رأي عام دولي احتلت مساحات واسعة في كبريات الصحف العالمية.
لم يكن هذا الاهتمام الإعلامي مجرد نعي لزعيم سياسي، بل كان بمثابة مراجعة تاريخية وأخلاقية لنضال شعب بأسره اختُزل في شخصية البارزاني، الذي صُوّر في الصحافة الغربية كرمز للصمود الأسطوري في وجه الجغرافيا السياسية القاسية.

إن القراءة التحليلية لما نُشر في ذلك الوقت تكشف عن اعتراف دولي متأخر، لكنه صريح، بشرعية القضية الكوردية، حيث اتفقت أغلب الصحف الرصينة على أن البارزاني نجح في تدويل قضية شعبه وتحويلها من حركة محلية إلى ملف قومي وإنساني يفرض نفسه على أجندة المجتمع الدولي.
وعند استقراء ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها الصادر غداة الوفاة، نجد أنها منحت البارزاني وصفاً أصبح علامة فارقة في الأدبيات السياسية، وهو “جورج واشنطن الكورد”، في إشارة رمزية عميقة تربط بين نضاله وبين مؤسس الدولة الأمريكية، مما أعطى للقارئ الغربي انطباعاً بأن رحيله يمثل خسارة لرمز تحرري عالمي وليس مجرد قائد محلي. ولم تكتفِ الصحيفة بسرد مسيرته العسكرية، بل ركزت على كاريزمته الشخصية وسادته التي مكنته من قيادة شعبه في الجبال لعقود طويلة، مؤكدة أن البارزاني مات وهو يحمل آمال أمة لم تتخلَّ عن حلمها رغم الانكسارات السياسية التي واجهتها.
من جانبها، قدمت صحيفة “واشنطن بوست” قراءة أكثر نقدية وربطت بين رحيله وبين خيبات الأمل التي تعرضت لها الحركة الكوردية نتيجة تقلبات السياسة الدولية، لا سيما بعد اتفاقية الجزائر عام 1975. لقد أشارت الصحيفة إلى أن البارزاني قضى سنواته الأخيرة في المنفى “غريباً في واشنطن”، وهو ما استدعى مراجعة أخلاقية في الصحافة الأمريكية للدور الذي لعبته إدارة كيسنجر في تلك الحقبة. هذا النوع من التغطية عكس صراعاً في الضمير الإعلامي الأمريكي بين واقعية السياسة الخارجية وبين التعاطف الإنساني مع زعيم وُصف بأنه “المحارب الذي لم يهزم أبداً في الميدان”، بل غُدر به على طاولات المفاوضات الدولية.
وفي أوروبا، اتخذ صدى الوفاة طابعاً أكثر عمقاً في البحث عن الهوية الوطنية؛ حيث رأت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن وفاة البارزاني هي لحظة تحول “المناضل إلى أسطورة”. التغطية الفرنسية والأوروبية بشكل عام ركزت على البعد السوسيولوجي للبارزاني، وكيف استطاع صهر الولاءات القبلية في بوتقة القومية الكوردية الحديثة. لقد صُور البارزاني في هذه الصحف كشخصية عابرة للحدود، استطاعت أن توحد الكورد في أجزاء كوردستان المختلفة حول رؤية موحدة للحرية، مما جعل من جنازته المهيبة، التي نقلت تفاصيلها وكالات الأنباء العالمية، استفتاءً شعبياً عالمياً على نهجه ومدرسته النضالية.
إن هذا الزخم الإعلامي العالمي الذي رافق رحيل البارزاني أكد حقيقة مفادها أن القضية الكوردية قد نضجت إعلامياً وفكرياً بفضل ثبات هذا الرجل. فالمقالات والتحليلات التي نُشرت في “التايمز” اللندنية ومجلة “تايم” الأمريكية لم تكن مجرد رثاء، بل كانت بمثابة توثيق لميلاد أمة كوردية حديثة خرجت من رحم الجبال لتفرض وجودها في الوعي العالمي. وبذلك، ظل البارزاني حتى في لحظة رحيله الجسدي، المحرك الرئيسي لاهتمام العالم بكوردستان، محولاً وفاته من مجرد حدث عابر إلى وثيقة تاريخية تدين الصمت الدولي وتنصف تضحيات شعب كافح من أجل البقاء والحرية.