سالي علي
هل دخل المشروع الكوردي مرحلة اللاعودة؟
للمرة الأولى في التاريخ السياسي الحديث، لا يتحرك الكورد ضمن فراغ جغرافي أو رمزية ثقافية فقط، بل فوق أرضٍ تُدار بمؤسسات، وقوات أمنية منظمة، وحدود فعلية، وشبكات علاقات خارجية. هذا التحول يغيّر طبيعة السؤال بالكامل: لم يعد التحدي هو إثبات الوجود، بل تثبيت هذا الوجود ضمن توازنات نظام إقليمي لا يعترف بسهولة بالتحولات القومية.
أولًا: واقعان سياسيان… معادلة واحدة
في إقليم كوردستان يوجد نموذج شرعية دستورية داخل دولة معترف بها دوليًا، ببرلمان وحكومة وقوات نظامية. وفي روجافا نشأ كيان بحكم الأمر الواقع، مدعوم بهيكل إداري وأمني تقوده قوات سوريا الديمقراطية.
الاختلاف في الشكل القانوني لا يلغي حقيقة مشتركة: هناك فضاء سياسي كوردي يتكوّن عبر الزمن، ويتفاعل أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بطريقة تتجاوز الخطوط التي رسمتها اتفاقيات القرن الماضي.
ثانيًا: من الشرعية الواقعية إلى الشرعية القانونية
في العلاقات الدولية، الكيانات لا تُعترف بها لأنها تطالب، بل لأنها تصبح ضرورة استقرار.
عندما يمتلك كيان ما:
•إدارة مستقرة
•احتكارًا نسبيًا للقوة
•دورًا أمنيًا في مكافحة تهديدات عابرة للحدود
فإنه يتحول إلى (شريك وظيفي) حتى قبل الاعتراف الرسمي. وهنا يكمن جوهر المرحلة الحالية:
المشروع الكوردي لم يعد مجرد خطاب قومي، بل عنصرًا في هندسة الأمن الإقليمي.
ثالثًا: سقف الطموح وحدود الجغرافيا
البيئة المحيطة معقّدة:
تركيا ترفض أي كيان قومي مستقل قرب حدودها، العراق يتحرك ضمن توازنات داخلية دقيقة، سوريا تسعى لإعادة مركزية السلطة، إيران تخشى ارتدادات داخلية.
لهذا، الاحتمال الأكثر واقعية ليس إعلان دولة مستقلة في المدى القريب، بل تثبيت وضع قانوني متقدم داخل الدول القائمة، يرسّخ حكمًا ذاتيًا طويل الأمد بغطاء دولي غير مباشر.
رابعًا: رأس المال السياسي القابل للتحويل
ما يملكه الكورد اليوم لم يكن متاحًا تاريخيًا:
•خبرة حكم ذاتي ممتدة
•اعتراف وظيفي في معادلات مكافحة الإرهاب
•مؤسسات قائمة يمكن تطويرها
•شبكة علاقات إقليمية ودولية
هذا ليس إنجازًا رمزيًا، بل رصيدًا استراتيجيًا يمكن تحويله إلى مكاسب قانونية إذا أُدير بواقعية عالية.
المخاطر الحقيقية
الفرصة التاريخية لا تضيع بسبب العدو الخارجي فقط، بل بسبب:
•الانقسام الداخلي
•تضارب الأولويات بين المراكز السياسية
•الإفراط في الخطاب مقابل ضعف التنسيق المؤسسي
أي اختلال هنا قد يبدد مكاسب تراكمت عبر عقود.
الخلاصة الاستراتيجية
المشروع الكوردي يقف اليوم بين مرحلتين: إما أن يتحول إلى نموذج قانوني راسخ داخل النظام الإقليمي، أو يبقى عالقًا في منطقة رمادية بين الاعتراف والإنكار. الدول لا تولد بقرارات عاطفية، بل تتشكل عندما يصبح وجودها جزءًا من توازن القوى.
والحقيقة الأهم: حين يتحول الكيان إلى ضرورة استقرار… يصبح تجاوزه مكلفًا للجميع.