أحمد زبير باني
الاستذكار والعهد
في حضرة الذكرى السابعة والأربعين لرحيل الأب الروحي للقومية الكوردية، مصطفى البارزاني، لا نقف استذكاراً لتاريخٍ مضى، بل انحناءً أمام جذوةٍ ما زالت تتوقد في وجدان شعبٍ آمن بأن الحرية قدره المحتوم، وبأن الكرامة ليست طلباً عارضاً، بل هويةً ضاربة الجذور في سفوح الجبال وبطون السهول وسويداء القلوب.
الرمز والمدرسة
لم يختزل البارزاني ذاته في عباءة القائد السياسي، ولا في رداء الزعيم العسكري؛ بل كان أنموذجاً حياً في الصبر، ورمزاً تماهت فيه طموحات أمةٍ بأكملها. من ملاحم كوردستان إلى ذرا جبالها الشامخة، ومن مرارة المنفى إلى ميادين المواجهة، ظل اسمه ناقوساً للإرادة التي لا تفتّ، وعنواناً للقضية التي لا تندثر.
القيادة كالتزام أخلاقي
لقد تيقن البارزاني أن القومية ليست شعاراتٍ برّاقة، بل هي ميثاقٌ أخلاقي تجاه الأرض واللغة والإنسان. حمل أثقال شعبه في أحلك المنعطفات، مؤمناً بأن النضال استحقاقٌ وجودي حين تُستباح الحقوق وتُصادر الكرامة. وفي كل شوطٍ من مسيرته، برهن أن القيادة ليست وجاهةً بل تضحية، وأن التاريخ لا يسطر بالمداد وحده، بل بمداد الثبات وعرق الكفاح.
بوصلة الوحدة
حين نستحضره اليوم، فإننا لا نستسلم لِلُجّة الحنين، بل نشحذ فينا قيم الوحدة والشموخ. لقد كان البارزاني قطب الرحى في وحدة الصف الكوردي، والجسر الواصل بين الأجيال، والبوصلة التي لا تخطئ الحق مهما ادلهمّت السبل. لم يبتغِ مجداً ذاتياً، بل سعى لبعث مجد أمةٍ أُريد لها التغييب، فانتزعت حقها في الوجود.
تحويل الألم إلى قوة
إن ذكراه اليوم ليست وقفةً جنائزية، بل هي موسمُ تجديد العهد. عهدٌ بأن تظل كوردستان أمينةً على إرث التضحية، وأن يبقى الكفاح من أجل العدالة مرتكِزاً على الحكمة ورص الصفوف. فالأمم العظيمة لا تُقاس بمرارة محنها، بل بقدرتها على صهر الألم ليكون نصلَ القوة، وتحويل الحرمان إلى وقودٍ للأمل.
الخاتمة
أيها الخالد في ضمير الوفاء، يا من علمتنا أن الجبال ليست صخوراً صمّاء، بل هي متاريس الكبرياء، وأن الحرية ليست حلم الغد، بل استحقاق الحاضر؛ نَم قرير العين. فجيلٌ يتلوه جيل سيظل يلهج باسمك فخراً، ويستقي من مَعين مسيرتك معنى الثبات على العهد.
سلامٌ على روحك في عليائك، وسلامٌ على شعبٍ أنجب قائداً صار رمزاً، ورمزاً صار تاريخاً، وتاريخاً صار هويةً لا تزول.