بين فناء المنصب وخلود الرسالة قراءة في حديث الرئيس مسعود البارزاني

عرفان الداوودي

كتبتُ مئات المقالات، وقرأتُ آلاف المقالات خلال مسيرتي الصحفية الممتدة من عام 1990 ولغاية اليوم، ومرّت عليَّ كلماتٌ كثيرة وخطاباتٌ أكثر، لكن قلّما توقفتُ أمام نصٍّ هزّ مشاعري وكياني كما فعل هذا الحديث. لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل كان لحظة صدقٍ إنساني عميق ترك أثرًا لا يُمحى.

“اعمل ليومك كأنك تموت غدًا… واذكر يوم وُلدت ويوم تموت ويوم تُبعث حيًّا.”
بهذه الروح الإيمانية الصادقة، تحدّث الرئيس خلال لقائه مع قيادة وكوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، حديثًا تجاوز السياسة إلى مساحة أوسع من التأمل، وأعمق من الحسابات، وأصدق من كل العبارات المنمّقة.

لم يكن الكلام خطابًا تقليديًا لقائد أمام كوادر حزبه، بل كان وقفة مع النفس، وتذكيرًا بحقيقة لا يملك أحدٌ ردّها: أن المناصب زائلة، وأن الجاه مهما علا فمصيره أن يُترك، وأن الإنسان – مهما بلغ شأنه – يبقى عبدًا لله، خاضعًا لقدره.

قالها بوضوحٍ وهدوء: كل إنسان يحب ويتمنى أعلى المناصب والدرجات، لكن في النهاية يأتي يوم نترك فيه المنصب والجاه. كلمات خرجت من قلب قائدٍ خبر السلطة كما خبر الجبال، وعرف ساحات القتال كما عرف قاعات القرار. وأضاف بإيمانٍ راسخ أن يوم الموعود بيد الله، شئنا أم أبينا، فهو قدرٌ مكتوب وإرادةٌ لا تُرد.

وحين قال: “لا أحب الموت لأفارقكم، ولكن أقول لكم في أمان الله”، لم يتمالك الحاضرون أنفسهم، فاغرورقت العيون بالدموع، ووقفوا يصفقون طويلًا، في مشهدٍ امتزجت فيه العاطفة بالوفاء، والاحترام بالتقدير لمسيرة رجلٍ ارتبط اسمه بتاريخ نضالي طويل.

فالرئيس مسعود البارزاني لم يكن قائد مرحلة عابرة، بل هو ابن مسيرة بدأت منذ شبابه، حين حمل عبء النضال في أصعب الظروف، وقاوم وقاتل وواجه المخاطر دون تردد. لم يهب الموت يومًا، لكنه ظل مؤمنًا بأن الأعمار بيد الله، وأن الشجاعة ليست تحدّيًا للقدر، بل تسليمًا به مع أداء الواجب حتى النهاية.

لقد قاوم حين كان الصمت أسهل، وثبت حين كان الانكسار أقرب، وآمن بأن القيادة ليست تشبثًا بالكرسي، بل مسؤولية ورسالة. ومن هنا جاءت كلماته كوصية أخلاقية قبل أن تكون تصريحًا سياسيًا: اعمل بإخلاص، وتذكّر أن النهاية حتمية، وأن ما يبقى هو الأثر الطيب والسيرة الصادقة.

إن الأمم لا تُقاس بطول سنوات الحكم، بل بعمق التجربة، وصدق الموقف، والإيمان الذي يسكن القلوب. وفي حديثه الأخير، أعاد التذكير بأن القيادة الحقيقية هي التي تتواضع أمام قدر الله، وتستعد للرحيل كما استعدت يومًا لتحمل الأمانة.

هكذا تحدّث القائد… حديثًا أبكى الحاضرين، لكنه في الوقت ذاته زرع فيهم معنى الثبات، والإيمان، والعمل الصادق ليومٍ لا ينفع فيه إلا ما قُدِّم من خير، وما بقي من أثرٍ كريم في ذاكرة الشعوب .

قد يعجبك ايضا