ذكرى رحيل الزعيم الملا مصطفى البارزاني (1 آذار 1979)

محمد صالح شلال

في 1 آذار 1979، توفي الزعيم القومي للشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد حياة حافلة بالنضال والكفاح. وكان يُعدّ أحد أبرز رموز حركة التحرر الكوردية في القرن العشرين.
طفولته وبدايات حياته:
وُلد الملا مصطفى في 14 آذار 1903 في قرية بارزان. وبعد وفاة والده، شنّت القوات العثمانية حملة عسكرية ضد العشائر الكوردية. ونتيجة لذلك، أُعتقل شقيقه الشيخ عبد السلام، ومكث هو مع والدته تسعة أشهر في سجن الموصل لم يكن قد تعدى السن السادسة من عمره.
منذ طفولته عُرف بالشجاعة والوقار وحبّ العلم. تلقّى دروسه الابتدائية في بارزان، ثم درس العلوم الدينية والفقه الإسلامي، وخلال فترات النفي واصل دراسته في السليمانية.
نضاله وثوراته:
عام 1919 شارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد، وقاد قوة مؤلفة من 300 مقاتل.
بين 1931–1932 حارب في منطقتي ميركسور– شيروان ضد القوات المدعومة من قبل البريطانيين، وبرز في ساحات القتال بشجاعته.
بين 1943–1945 أعلن ثورة بارزان، وجمع حوله أكثر من 2000 من الپيشمرگة الأبطال.
عام 1946 حضر مراسم إعلان جمهورية كوردستان في مهاباد إلى جانب القاضي محمد، وعُيّن قائداً لجيش الجمهورية برتبة جنرال.
في 16 آب 1946 انتُخب رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبقي في هذا المنصب حتى وفاته.
بين 1961–1975 قاد ثورة أيلول، وناضل من أجل حقوق الشعب الكوردي ضد الحكومات العراقية.
بطولته وحنكته وقيادته:
لم يكن الملا مصطفى مجرد مقاتل شجاع، بل كان أيضاً قائداً ذكياً وصاحب استراتيجية واضحة. ففي العديد من المعارك، ورغم قلة العتاد والسلاح، استطاع بفضل التخطيط والتنظيم الجيد أن يقود قواته إلى النصر. وبفضل عزيمته القوية وإيمانه الراسخ بحقوق الشعب الكوردي، شكّل قوة معنوية كبيرة بين المقاتلين والجماهير.
ومن الجدير بالذكر أنه كان يولي أهمية كبيرة للتعليم والوعي القومي. وحتى في فترات المنفى، واصل تعلّمه، فتعلّم اللغة الروسية ودرس علوماً مختلفة هناك. وهذا يدل على إيمانه بأن الحرية لا تتحقق بالسلاح وحده، بل بالعلم والوحدة والوعي أيضاً.
ومن أبرز السمات التي ميّزت فكر الراحل مصطفى البارزاني كانت نظرته الشمولية لكوردستان بوصفها وطناً لجميع أبنائها دون تمييز ديني أو قومي. فقد آمن البارزاني بأن قضية كوردستان ليست قضية قومية ضيقة، بل مشروع إنساني تحرري يحتضن كل من يعيش على أرضها، من الكورد بمختلف انتماءاتهم الدينية، إلى الإخوة من المسيحيين واليهود وسائر المكونات الأخرى التي شكّلت عبر التاريخ نسيج المجتمع الكوردستاني.
لقد تعامل البارزاني مع التعددية بوصفها مصدر غنى وقوة، لا عامل انقسام. فكان يؤكد في خطاباته ومواقفه على مبدأ التعايش المشترك واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية، معتبراً أن وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تنظيمه في إطار من العدالة والمساواة. وقد انعكس هذا التوجه في سياساته العملية، حيث حرص على طمأنة الأقليات الدينية والقومية وضمان حقوقها، وإشراكها في الحياة الاجتماعية والسياسية ضمن الحركة الوطنية.
كما أدرك أن نجاح أي مشروع وطني في كوردستان مرهون بمدى قدرته على احتضان جميع مكوناته، لذلك كان خطابه موجهاً إلى الجميع دون استثناء، داعياً إلى الأخوّة والتكافل ونبذ التعصب. وهكذا تجسّد في فكره مفهوم كوردستان الجامعة، التي تتسع لكل أطيافها، وتُبنى على أساس المواطنة والشراكة الحقيقية.
كما أولى إهتماماً كبيراً بشريحة الطلبة والشباب وآمن بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات، وأبدى إهتمامه بالبيئة والمحافظة على طبيعة كوردستان الخلابة.
وبصفته قائداً كوردياً بارزاً، حظي باحترام ومكانة رفيعة بين أبناء كوردستان. ويراه الكوردستانيون رمزاً للمقاومة والإخلاص القومي والوحدة. ولا يزال اسمه حتى اليوم يُذكر بكل إجلال في تاريخ كوردستان، ويُشار إليه بوصفه الأب الروحي للشعب الكوردي.
المنفى والوفاة:
بعد فشل الثورة عام 1975، توجّه إلى إيران ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمعالجة من المرض الذي ألم به. في 1 آذار 1979 توفي في أمريكا. دُفن بدايةً في قرية شنو (أشنوية)، ثم نُقل جثمانه لاحقاً إلى كوردستان الجنوبية.
وتبقى ذكرى الملا مصطفى البارزاني حيّة في قلوب الشعب الكوردي رمزاً للنضال والبطولة والانتصار.

قد يعجبك ايضا