محمد علي محيي الدين
وُلد محمد علي البلاغي في النجف الأشرف سنة 1903، في مدينةٍ كانت الكلمات فيها تُوزن كما تُوزن المواقف، ويُحاسَب القول قبل أن يُكتب. نشأ في بيت علم وبيان، فتكوّن وعيه باكرًا بين حلقات الدرس الأولى، حيث النحو ليس ترفًا لغويًا، بل مدخلًا لفهم العقل العربي، وحيث الأدب ليس زينة المجالس، بل سجلّ الروح الجمعية للمدينة. تلقّى علومه الأولى على أيدي شيوخ النجف، غير أن ملازمته لعمه الشيخ محمد جواد البلاغي فتحت أمامه أفقًا أوسع، إذ تعلّم أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تقترن بالمسؤولية، وأن الفكر إن لم يُخاطب عصره بقي أسير رفوفه.
في مطلع الثلاثينيات، كانت النجف تقف على تخوم تحوّل صامت. مدينة عامرة بالعلم، لكنها تفتقر إلى منبرٍ ثقافي حديث يلتقط نبض العصر ويعيد صياغته بلغة محلية رصينة. عند هذا المنعطف، لم ينتظر البلاغي أن يتغيّر الواقع من تلقاء نفسه، فكان من المشاركين في تأسيس الرابطة الأدبية سنة 1932، قبل أن يُقدم في شباط 1933 على ما يمكن اعتباره أخطر رهاناته الثقافية: إصدار مجلة الاعتدال.

لم تأتِ الاعتدال لتكون مجلة نجفية مغلقة، ولا لسان حال جماعة بعينها، بل مشروعًا واعيًا أراد أن يضع النجف في قلب الحركة الفكرية العربية. فتحت صفحاتها لأقلام عراقية وعربية، دينية ومدنية، شابة ومخضرمة، فتنوعت موضوعاتها بين الأدب والفكر والتاريخ واللغة، وتحوّلت سريعًا إلى مساحة حوار لا إلى منبر تلقين. ولهذا اكتسبت مكانتها باكرًا، حتى عُدّت من المجلات المرموقة في زمانها، وتناقلها الأدباء والباحثون داخل العراق وخارجه، ووجد فيها المستشرقون مادة جديرة بالمتابعة، فيما رأت فيها المؤسسات التعليمية مصدرًا ثقافيًا يستحق أن يصل إلى المدارس والمعاهد والمكتبات العامة.
ولم تكن أهمية الاعتدال في تنوّع كتّابها فحسب، بل في روحها العامة. فقد استطاع البلاغي، بحسّه الصحفي وقربه من روح العصر، أن يتجاوز الثغرات التي وقعت فيها محاولات سابقة، فحقّق لمجلته الاستمرارية النسبيّة، ومنحها هوية واضحة، وجعلها تعبيرًا صادقًا عن طموح النجف في أن تكون حاضرة في زمنها، لا متحفًا لماضيها فقط. وقد أدرك كبار علماء وأدباء عصره هذه القيمة، فرأوا في عودة المجلة بعد انقطاعها الطويل حدثًا ثقافيًا يُنتظر، وفي اسمها دلالة على محتواها، وفي صفحاتها توازنًا نادرًا بين عمق التراث وقلق الحاضر.
وكان من أهم أدوار الاعتدال أنها أعادت تشكيل الخريطة الأدبية في النجف. فقد كانت المدينة، قبلها، تميل إلى الشعر بوصفه النشاط الأدبي الأبرز في المناسبات الاجتماعية والدينية والوطنية. غير أن المجلة، عبر متابعة صاحبها الدقيقة وتكليفه الأدباء بموضوعات بحثية محددة، خلقت من حيث لا يشعر كثيرون طبقة من الكتّاب والدارسين، انتقلوا من القصيدة إلى المقالة، ومن الإلقاء إلى البحث. فغدت صفحات الاعتدال مختبرًا حقيقيًا لإنتاج معرفة أدبية وتاريخية ولغوية، ولا تزال مجلداتها الستة، إلى اليوم، زاد الباحثين ومرجع الدارسين.
ومع هذا الانفتاح على البحث والدراسة، لم يُغفل البلاغي الشعر، بل منحه حيّزًا واسعًا، إيمانًا منه بأن الذائقة الجمالية هي الأساس الذي يُبنى عليه الوعي اللغوي. خصّ النتاج الشعري بمساحة ثابتة في كل عدد، وسعى إلى الارتقاء بلغته ونقده، بل حلم بإصدار مجلة مستقلة تُعنى بالشعر العراقي قديمه وحديثه، لتكون أداة لصقل الذوق والارتقاء بالأسلوب، وإن حالت الظروف دون تحقيق هذا المشروع على نحوٍ مستقل.
وبينما كان يخوض معركته الثقافية، لم يكن البلاغي بعيدًا عن الشأن العام. ارتبط بالحزب الوطني وزعيمه جعفر أبو التمن، وأسهم في فتح فرع له في النجف، وشغل مواقع اجتماعية وإدارية متعددة. كان عضوًا أقدم في مجلس بلدية النجف، وعضو شرف في غرفة تجارة النجف ثم رئيسًا لها، فضلًا عن حضوره الفاعل في مؤسسات اجتماعية وثقافية أخرى، حيث لم يكن حضوره شكليًا، بل مقرونًا بالنشاط والمبادرة.
وفي مسيرته الوظيفية، عُيّن سنة 1938 مديرًا لمشروع الماء والكهرباء في النجف الأشرف، ثم نُقل لإدارة المشروع نفسه في الناصرية إبّان ثورة رشيد عالي الكيلاني. ولم تمر مواقفه الوطنية من دون ثمن، إذ فُصل من وظيفته لاحقًا. وفي عام 1949 تولّى إدارة مصرف الرافدين في النجف، ثم إدارة المصرف التجاري في السماوة سنة 1959، قبل أن يعود إلى النجف مديرًا للمصرف ذاته، ثم مديرًا لمصرف الرافدين حتى آخر حياته.
لم يُعرف للبلاغي مؤلفات مستقلة، لأن مشروعه الحقيقي كان موزّعًا في مقالاته ودراساته وافتتاحياته، وفي مجلته التي يمكن عدّها مؤلفه الأكبر. فمجلدات الاعتدال، بما حوته من نصوص وأفكار، تمثل خلاصة وعيه الثقافي، ورؤيته للإصلاح، وإيمانه بدور الكلمة في بناء المجتمع.
توقّف صدور الاعتدال نهائيًا سنة 1949 بقرار رسمي، لتنتهي بذلك واحدة من أنضج التجارب الصحفية الثقافية في تاريخ النجف الحديث. غير أن توقف المجلة لم يُنهِ أثرها، كما لم يُطفئ حضور صاحبها في الذاكرة الثقافية.
وفي مساء الخميس 21 من محرّم الحرام سنة 1396هـ، الموافق 22 كانون الثاني 1976، رحل محمد علي البلاغي، ودُفن في الصحن الحيدري الشريف في الحجرة رقم (7). رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت قصته شاهدًا على رجلٍ آمن بأن المدينة لا تُصان بالصمت، بل بالكلمة، وأن النجف، كي تبقى حيّة، لا بد أن تُحمل أحيانًا من مدارسها إلى مطبعتها.