د . صباح ايليا القس
الاندلس / اسبانيا دولة لها تاريخها الذي لا يمكن أن تنساه الذاكرة العربية وما تركه الاجداد من القصور الانيقة ، فإن ملوك العرب بعد أن استوطنوا في هذه الديار اجتهدوا كثيرا في العناية بالقصور بل واسرفوا في الاعمار لاسيما في البناء والبساتين والبرك والتماثيل فأصبحت الاندلس برمتها جنائن الله على الارض . الكامل والمنيف والبهو قصور بناها عبدالرحمن الاوسط وزينها بكل ما اجتهد فيه البناؤون والرسامون والنحاتون وغيرهم فضلا عن التأثيث الداخلي من فرش وستائر ما شجع الشعراء على القول :
عشيق ومعشوق وبهو وزاهـــــــــــــــــــــــــــــر الى كامل في حسنه ومحــــــــــــــــــــــــــــــدَّدِ
وعُلِّيَةٌ تدعـــــــــــــــــــــــــى المنيف كأنمـــــــــــــــــــــا ذوائبها نيطت بنســـــرٍ وفــــــــــــــــــــــــــــرقدِ
كذلك الناصر كان يعشق البناء والزراعة تقول الرواية انه كان جالساً والزهراء بقربه فنظرت الى الجبل الاسود الذي يقابلها فقالت : يا سيدي الا ترى حسن هذه الجارية السوداء في حجر ذلك الزنجي فأمر الناصر بازالة الجبل .. فتعجب الناس من طلب الناصر حتى ظنوا ان في عقله علة وقالوا له لا يزيله الا الله ، وكان قد اراد قلع الشجر القديم وغرسه من جديد بالتين واللوز .. حتى اذا اكتمل ومضى الزمان صار ما يعجب ويشد الابصار لا سيما في وقت تفتح الازهار وصارت لاحقا مدينة الزهراء التي اشتملت على صناعة آلات الحرب والطرب والحلي وكل ما يوحي بالترف والبذخ يقول الشاعر :
لقد جلا مصنع الزهراء عن أثــــــــــــر موحَّد القدر عن مِثْلٍ وعــــــــــــــــــن مَثَلِ
فأتت محاسنها مجهود واصفها فالقول كالسكت والايجاز كالخطل
واذا اخذت الزهراء موقعها الجمالي والحضاري والفني وأصبحت مضرب المثل عند الشعراء حتى امر المنصور بن أبي عامر ببناء مدينة اخرى تنافس الزهراء أطلق عليها اسم ( الزاهرة ) ومضى في بنائها حتى أتمها بعد عشر سنوات وسكنها هو ومتشاوره ومن رافقهم من الفتيات والغلمان بعيدا عن الضوضاء والحاسدين ولاجل راحة نفسه ومن يرافقه فقد جلب اليها الالات الجليلة وألبسها الافرشة الجميلة وحماها من كل جانب باسوار لا يدخلها إلا من اذن بالدخول .. ولاحقا سمح لاصحاب الذوات بالبناء قريبا من الزاهرة فنافست في عظمتها الزهراء الاولى .
يقول الشاعر :
تحفها من فنون الأيك زاهــــــــــــــرة قد اورقت فضة اذ اورقت ذهبـــا
بديعة المُلْكِ ما يَنْفَكُّ ناظرها يتلو على السمع منها آية عجبـــــا
كانت الزهراء في غربي قرطبة والزاهرة في شرقها والمدينتان ممن تتباهى بهما قرطبة ..
اهتم الاندلسيون بالبناء وعشقوا التفنن في الابداع المعماري بما اشتملت عليه قصورهم الباذخة من مرمر وتماثيل وحدائق وازهار وفرش وتأثيث وآلات طرب وغناء وموسيقى وكل الامور التي تشير الى السعادة والسكون مما شجع الشعراء على توثيق هذه الابداعات والفنون .