العقل في إجازة”: قراءة في انسداد المشهد السياسي في إقليم كوردستان

د.فيصل صادق توفيق

لا يمكن فهم قول( السيد فاضل ميراني السياسي المخضرم) بأن «العقل في إجازة» بمعزل عن السياق السياسي العام في إقليم كوردستان، ولا عن حالة الانسداد غير المسبوقة التي يعيشها الإقليم بعد مضي أكثر من عام وعدة أشهر على آخر انتخابات نيابية من دون التوصل إلى تشكيل حكومة جديدة. فهذه العبارة، وإن بدت للوهلة الأولى توصيفًا مجازيًا حادًا، إلا أنها في جوهرها تشخيص سياسي مباشر لحالة اختلال عميقة في إدارة الخلافات، وتآكل واضح في منطق التسوية الذي يفترض أن يحكم المراحل اللاحقة لأي استحقاق انتخابي في الأنظمة البرلمانية.

في السياقات السياسية الطبيعية، تُعد مرحلة ما بعد الانتخابات اختبارًا حقيقيًا لنضج القوى السياسية، حيث يُفترض أن يتقدم العقل السياسي على الحسابات الضيقة، وأن تُقدَّم مصلحة الاستقرار والمؤسسات على منطق الغلبة والمكابرة. غير أن ما يشهده الإقليم يعكس مسارًا معاكسًا تمامًا؛ إذ تحولت الخلافات، وهي أمر مشروع في أي تجربة تعددية، إلى حالة تعطيل مزمن، وغابت القدرة على تحويل التعدد إلى شراكة، والاختلاف إلى حل. وهنا لا يعود التأخير في تشكيل الحكومة مجرد نتيجة تعقيدات سياسية، بل يصبح مؤشرًا على غياب الإرادة العقلانية لإدارة المرحلة.

إن استمرار الفراغ الحكومي كل هذا الوقت يكشف أن المشكلة لا تكمن في البرامج أو الرؤى وحدها، بل في آليات اتخاذ القرار نفسها، وفي سيادة منطق سياسي بات أسير الحسابات الحزبية، وغير مكترث بكلفة الزمن السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالدولة، أو الكيان السياسي شبه المستقر، لا يحتمل أن تدار شؤونه بعقل مؤجل، لأن الزمن في السياسة ليس عنصرا محايدا، بل عامل ضغط يراكم الأزمات ويقوّض الثقة العامة بالمؤسسات.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان توصيف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي للأزمات التاريخية حين قال إن الأزمة الحقيقية تنشأ عندما يحتضر القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد، فتظهر أعراض مرضية في الجسد السياسي. فإقليم كوردستان يبدو عالقا بين منظومة سياسية لم تعد قادرة على إدارة توازناتها بالوسائل القديمة، وبين واقع سياسي واجتماعي يتطلب أدوات جديدة في التفاهم والحكم، دون أن تملك القوى السياسية الشجاعة للانتقال من الأولى إلى الثانية.

الأخطر من ذلك أن حالة اللاعقلانية هذه بدأت تتحول إلى وضع مألوف، لا يثير الصدمة كما ينبغي، وهو ما حذرت منه الفيلسوفة السياسية حنة آرندت حين رأت أن أخطر أشكال اللامعقول هو أن يصبح أمرا اعتياديا. فحين يعتاد المجتمع على غياب الحكومة، وتعليق المؤسسات، وتبادل الاتهامات بلا أفق، فإن الخلل لا يعود سياسيا فحسب، بل ثقافيا أيضا، حيث تتآكل فكرة المسؤولية العامة، ويفرغ الاستحقاق الديمقراطي من مضمونه العملي.

وفي هذا الإطار، لا يبدو الإصرار على النهج نفسه في إدارة الخلافات سوى تأكيد إضافي على غياب العقل السياسي، وهو ما يلخصه قول ونستون تشرشل بأن الخطأ في السياسة ليس في الوقوع فيه، بل في الإصرار عليه. فالتجربة أثبتت أن الأدوات الحالية لم تعد قادرة على إنتاج حكومة ولا على حماية الثقة الشعبية، ومع ذلك يستمر التعاطي معها كما لو أنها الخيار الوحيد المتاح.

من هنا، يمكن قراءة عبارة الاستاذ فاضل ميراني بوصفها رسالة تحذير أكثر منها توصيفا انفعاليا، وإقرارا ضمنيا بأن الأزمة تجاوزت حدود التنافس السياسي الطبيعي، لتدخل في نطاق خلل بنيوي في طريقة التفكير وإدارة المرحلة. فالعقل حين يُعطى إجازة في السياسة، لا تتوقف القرارات فحسب، بل تتوقف معها فرص الإصلاح، ويتحول الخلاف إلى عبء دائم على المجتمع.

إن أزمة تشكيل الحكومة في إقليم كوردستان ليست أزمة مقاعد ولا توازنات رقمية، بل أزمة عقل سياسي لم يعد قادرا، أو راغبا، في إنتاج الحل. وفي غياب هذا العقل، تطول الأزمات، وتتراكم الخسائر، ويصبح السؤال الحقيقي ليس متى تشكَّل الحكومة، بل كم من الوقت يستطيع الإقليم تحمّل سياسة يدار فيها الحاضر بعقل غائب، والمستقبل بحسابات مؤجلة.

قد يعجبك ايضا